فرسان الفجر
أيها الفارس يامن حللت بين أهلك وعشيرتك في دار فرسان الفجر العربي مرحبا بك في دارك عضوا يضفي بمساهماته بريقا يتلألأ في ضوء الفجر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الحلو متكبر للشاعر نادر الأسيوطي
الإثنين 25 يناير 2016, 3:01 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» ديوانُ شعري أنوارٌ بمشكاة
السبت 07 نوفمبر 2015, 8:43 pm من طرف زاهية بنت البحر

» شاكر بوعلاقي اعود الى ماضينا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015, 4:20 pm من طرف خوري ليليا

» غرف نوم وغرف اطفال ومطابخ وانتيكات
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 9:45 am من طرف احمد عطية

» راجعين نادر الأسيوطي
الثلاثاء 18 مارس 2014, 4:57 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» البوم صور شاكر بوعلاقي
الثلاثاء 04 مارس 2014, 6:00 pm من طرف شاكر بوعلاقي

» محكمة
الخميس 13 فبراير 2014, 6:21 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» صلوا علي الحبيب المصطفي
الخميس 26 ديسمبر 2013, 7:08 pm من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده
الإثنين 02 ديسمبر 2013, 8:48 pm من طرف انا فيروز

» دقــــــــولــــهــــا الــــهــــون
الخميس 09 أغسطس 2012, 8:23 pm من طرف عامر عبدالسلام

التبادل الاعلاني

الجزء الثاني من كتاب الدراسات للمؤتمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء الثاني من كتاب الدراسات للمؤتمر

مُساهمة من طرف الدكتور بيومي الشيمي في الأربعاء 05 مايو 2010, 3:41 pm

المكان
رؤية فلسفية و جمالية
د. رمضان بسطاويسى

تعددت الكتابات عن المكان من أكثر من منظور، و أهم ما صدر فى العربية من دراسات فى المكان الروائى، وهى دراسات سيزا قاسم (1985) وحسن بحراوى (1990) وسمر روحى الفيصل (1995)، و تستند إليها بعض الدراسات فى الرواية الغربية فالمكان هو الفضاء الذي نحيا فيه عبر وجودنا الجسدي، و نحمله في داخلنا أينما ذهبنا، لأن المكان يشكل أول خبرة حسية لنا بالعالم المحيط بنا، و أذكر أنني بعد أن تركت مسكني في القاهرة الفاطمية(بشارع المغربلين) القريبة من أجواء روايات نجيب محفوظ (في الجمالية) شعرت أنني أحمل المكان في داخلي (أينما ذهبت حني حين كنت في إعارة ثلاث سنوات بالإمارات العربية )و أحن إليه بشكل حميمي، و كأنه رحم الوعي و التجربة التي تشكل بها وعي بالعالم، و تذكرت ما قاله: "جاستون باشلار "في كتابه "شعرية المكان" الذي ترجمه غالب هلسا تحت عنوان" جماليات المكان " المكان هو البيت القديم، بيت الطفولة، هو مكان الألفة، ومركز تكيف الخيال. و عندما نبتعد عنه نظل دائماً نستعيد ذكراه، ونسقط على الكثير من مظاهر الحياة المادية ذلك الإحساس بالجمالية والأمن اللذين كان يوفرهما لنا البيت.أو هو البيت القديم، كما يصفه باشلار، عندما «يركز الوجود داخل حدود تمنح الحماية».إننا نعيش لحظات البيت من خلال الأدراج والصناديق والخزائن التي يسميها باشلار «بيت الأشياء». العش يبعث إحساسنا بالبيت، لأنه يجعلنا «نضع أنفسنا في أصل منبع الثقة بالعالم... هل كان العصفور يبني عشه لو لم يكن يملك غريزة الثقة بالعالم»؟. القوقعة تجسد انطواء الإنسان داخل المكان في الزوايا والأركان. و قد كان بحث غالب هلسا «المكان في الرواية العربية» الأول في بابه إثارة لأسئلة جماليات المكان بعامة، وضمن الفهم الباشلاري بخاصة، فرأى هلسا المكان، معزولاً عن الزمان والحركة، ووجد «أن المكان هو العمود الفقري الذي يربط أجزاء الرواية ببعضها البعض. ولكنني بعد قليل من التأمل يتبين لي عقم هذه الاستعارة»( 1).
و في دراسة غالب هلسا اللاحقة ( المكان في الرواية العربية )عاين مسألة تحديد قومية خاصة للمكان الروائي كالمكان العربي بوصفه مكاناً أمومياً، ثم وضع ثلاثة عناوين لاستيعاب النمط السائد في غالبية الروايات العربية، وهي المكان المجازي كما في رواية الفعل المحض، والمكان الهندسي، وعنى به المكان الذي تعرضه الرواية من خلال وصف أبعاده الخارجية بدقة بصرية وحياد، ويحرم فيه القارئ من استعمال خياله، «والواقع، برأي هلسا، أن مثل هذا المكان نادر الوجود في الرواية العربية ،أما النمط الثالث فهو المكان المعادي مثل مكان الغربة أو المنفى، و السجن و«يتخذ هذا المكان صفة المجتمع الأبوي بهرمية السلطة في داخله وعنفه الموجه لكل من يخالف التعليمات وتعسفه الذي يبدو وكأنه ذو طابع قدري».وقد أراد هلسا من دراسته أن يضيف إلى «المكان المعادي، المكان الهندسي المعبر عن الهزيمة واليأس.ولكن هذا المكان ينقصه رد الفعل الإنساني الذي يقيم مكاناً /ضداً (وهو ذكرى مجتمع الأمومة)في مواجهة هذا المكان المعادي»(2).
و المكان مرتبط بالزمان علي نحو متلازم بحيث لا نستطيع علي مستوي تجربة الحياة اليومية و الواقع المعيش أن نفصل أي منهما عن الآخر و قد أوضح باختين:في كتاباته "يحدد الزمكان الوحدة الفنية للمؤلف الأدبي في علاقته بالواقع الفعلي. ولهذا السبب ينطوي الزمكان في المؤلّف دائماً على لحظة تقييمية لا يمكن فصلها عن الزمكان الفني الكلي إلا في التحليل المجرد. ذلك أن كل التحديدات الزمانية المكانية في الفن والأدب لا ينفصل أحدها عن الآخر، وهي دائماً ذات صبغة انفعالية تقييمية.و يستطيع التفكير المجرد طبعاً أن يتصور الزمان والمكان كلاً على حده ويغفل لحظتهما الانفعالية التقييمية. لكن التأمل الفني الحي لا يفصل شيئاً، ولا يغفل شيئاً" و لذلك اعتمد الصديق حسين حموده علي رصد الزمكان في عالم نجيب محفوظ في دراسته الأخيرة لأن المكان يحمل سمات معينة حسب أحداث الزمان و يتعين بها، و قد رصدت سيزا قاسم في دراستها " البناء الروائي " و " القارئ و العلامة "صور مختلفة للمكان و علاماته في الرواية، و لذلك لا يمكن الحديث عن مكان مطلق أو مفارق للزمان و إنما مرتبطا به، مثلما لا نستطيع الحديث عن الجسد منفصلا عن عمر الإنسان، و حين طلب مني الحديث عن المكان و جمالياته وجدت أنه مرتبط بالفضاء الذي يعيش فيه الإنسان و تنطبع مفرداته في داخل الإنسان و يصبح من ممكنات الوعي بالعالم ، بحيث أدركت أن المكان هو رحم يشكلنا، و لذا من يعيش بجانب البحر أو وسط الصحراء مختلف عمن يعيش في المدينة و في لغته و علاماته، و أذكر أنني أجريت حوارا مع الكاتب صبري موسي عن "ثقافة الصحراء "التي حاول اكتشافها في روايته " فساد الأمكنة " أدركت أن السارد المقيم مختلف عن السارد الزائر، فنحن نري ثقافة الصحراء من منظور ثقافة المدينة التي ولدنا و عشنا بها، و لذلك قدم نجيب محفوظ دراسة عميقة لثقافة المدينة و الحارة القاهرية كسارد مقيم، و هذا يبين أن هناك ثمة علاقة تنشا بيننا و بين المكان تساهم في تشكيل تجربة الوجود لدينا، و لعل هذا يكشف لماذا ارتبط الصوفية بتجربة السياحة و السفرفي المكان للتحرر من أسر و هيمنة المكان علي التجربة البشرية، فنجد ابن عربي يخرج من مرسيه إلي المغرب و يسافر عبر شمال أفريقيا إلي مصر و الحجاز و ينتهي به المطاف بالشام حيث دفن .
على أن مصطلح المكان والمكانية والزمكانية قد تطور أيضاً بتأثير علم السرد ولاسيما إنجازات جريماس إلى مصطلح الفضاء في الانفتاح أو الحيز في التحديد والتضييق والاتساع والفضاء الروائي هو «الحيز الزمكاني الذي تتمظهر فيه الشخصيات والأشياء متلبسة بالأحداث تبعاً لعوامل عدة تتصل بالرؤية الفلسفية وبنوعية الجنس الأدبي وبحساسية الكاتب أو الروائي»، كما يوضح منيب محمد البوريمي (المغرب) في كتابه «الفضاء الروائي في الغربة: الإطار والدلالة» (بغداد 1987).(3) و قد عالج المكان ودلالاته يوري لوتمان الذي في كتابه «بناء العمل الفني»وقد قامت سيزا قاسم دراز بتعريب الفصل المتعلق من الكتاب و وضعت له عنوان «مشكلة المكان الفني» ونظر لوتمان في إطار التحدث عن المكان الفني إلى العمل الفني نظرة خاصة: فالعمل الفني مكان محدد المساحة (اللوحة الفنية أو التمثال أو القصيدة أو الرواية)، فمن جانب يشغل العمل الفني حيزاً معيناً في الكون الفسيح، ولكنه من جانب آخر، وهذه هي خاصيته الجوهرية، يمثل في هذا الحيز المحدود حقيقة أوسع منه وأشمل هي العالم اللامتناهي.
-2-
إذا تحدثنا عن فلسفة المكان، أو كيفية تصور الوعي الإنساني للمكان و تطور الوعي بالمكان عبر الفلسفة، فيتم تعريف المكان في الفلسفة بأنه فضاء ثلاثي الأبعاد و هو فضاء لا حدود له، هو المكان ؟ يمكننا تعريف المكان بأنه الامتداد ذي الأبعاد الثلاثة، الطول والعرض والعمق وهو الذي يحوي الموجودات والتي من أخص خصائصها (الموجودات) عدم القابلية للنفاذ في بعضها، أي أنها لا تتداخل. وهذا كان رأي أفلاطون أيضاً فكان المكان عنده هو الحاوي. ونفس الرؤية عن المكان كانت عند نيوتن وزاد عليها بأن قال بأن المكان يتصف باللا متناهي والأزلية وعدم الفناء.وكذلك تصور إقليدس المكان رياضياً بأبعاده الثلاثة ومن هذا نشأ علم الهندسة المستوية ولكن رياضيي العصر الحديث أثبتوا إمكانية تصور المكان بأكثر من ثلاثة أبعاد بل ويمكن تصوره بأبعاد عديدة وأن المكان الإقليدي ليس إلا حالة خاصة من المكان ذي البعد ع (ع تمثل الكثرة). من هنا نشأت هندسيات جديدة لا تأخذ بمسلمات إقليدس للمكان ومن هذه الهندسيات تلك التي ابتكرها ريمان وأخري ابتكرها لوباتشوفسكي وهناك غيرهما. والملاحظ أن لا إقليدس ولا أولئك الذين جاءوا من بعده وخالفوه قد أجابوا علي السؤال الذي جاء على رأس هذه المقالة، ما هو المكان؟ هناك من الفلاسفة من أراد حل هذه المشكلة جذريا بقتلها فقال بأن المكان و ( الأشياء التي تشغل المكان)شيء واحد وما معنى المكان إلا تصور جوهره تجريد المتمكنات تماماً كتجريد معنى الطول من الأشياء الطويلة.في مقابل هذا الموقف هناك ذلك الذي يرى أن المكان ليس الامتداد ولا الممتد ولكن هو ذلك الذي فيه يمتد الممتد وعلى ذلك فالأشياء هي التي في المكان وليس المكان في الأشياء وأن المكان بهذا هو شرط الامتداد.وهنك أيضا فلاسفة مثل اسبينوزا ممن يرون المكان، بمعنى الامتداد، هو صفة من صفات الله الذي لا يعرف الإنسان له إلا هذه الصفة بجانب صفة الفكر. وفي الحقيقة فإن هذا ما يذهب إليه أصحاب وحدة الوجود عند بعض أقطاب التصوف مثل الحلاج وآخرون.ولكن أطرف ما قيل في حقيقة المكان هو ما قاله الفيلسوف الألماني "إيمانويل كانت " فهو يرى أن المكان، وأيضا الزمان، ليسا إلا إطارين من أطر المعرفة يأتي بها العقل الإنساني لترتيب الأشياء ولا وجود للمكان والزمان خارج العقل.على الرغم من أن علماء الفيزياء الحديثة عادة ما تنظر فيه ،علي أن الزمن هو جزء من حدود المكان الذى له أربع أبعاد متصلة المعروفة الزمكان: الزمان -مكان) مصطلح حديث منحوت من كلمتي الزمان والمكان لتعبر عن الفضاء رباعي الأبعاد الذي أدخلته النظرية النسبية ليكون فضاء الحدث بدلاً من المكان المطلق الفارغ في نظرية الكم فهو المزج بين الزمان و المكان في إطار واحد بحيث لا يتم الفصل بينهما عند إجراء الحسابات الفيزيائية وظهرت هذه النظرية بواسطة عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين في نموذجه النسبي الخاص. ويعتبر مفهوم المكان/ الفضاء ذو أهمية أساسية لفهم الكون المادي على الرغم من أن الخلاف لا يزال بين الفلاسفة حول ما إذا كان هو نفسه كيان واقعي، وجود علاقة بين الكيانات، أو جزءا من الإطار المفاهيمي الذهني. و قد تطور هدا التصور مع النظريات الحديثة التي تعطي أولوية كبيرة للزمان على حساب المكان ذلك أن المكان محسوس والزمن مجرد وبالتالي فالمكان قابل للإدراك الحسي والزمان يدرك بالتجريد ويقر الكثير من الفلاسفة بأنه لا يمكن فصل الزمان عن المكان لأسباب كثيرة حيث لا يمكن عزل اللحظة من الزمن عن مكان وقوعها ولا يمكن للمكان بأي حال من الأحوال أن يوجد خارج إطاره الزمني وفي مقدمة هؤلاء الفيلسوف الظاهراتي جاستون باشلار الذي يقول إدا كان الزمان هو الخط الذي تسير عليه الأحداث فان المكان يصاحبه ويحتويه )وجاء الكثير من الدارسين بتصورات كثيرة مثل (جيرارد جنيت ) بمصطلح الكرونوطوب محاولا تأسيس نظرية بخصوص الزمكان وعد هدا المجهود بذرة للدراسات الحديثة
-3-
ليس المكان إذن ذلك المعطى الخارجي المحايد، الذي نعبره دون أن نأبه به، وإنما المكان "حياة" لا يحده الطول والعرض فقط، وإنما خاصية "الاشتمال". ما دمنا نجد في الاشتمال معنى اللباس، ومنه "الشّملة". فالاشتمال تغطية وستر من ناحية، ومخالطة واندماج من ناحية أخرى. وكأني بالذين يدرسون الشخصية في معزل عن المكان والزمان، إنما يسلبونها شطرا ذا خطورة في تحديد سماتها، وتشخيص سلوكها، وتحديد أهدافها ومقاصدها. إذ العزل المتعسف للفرد عن مكانه، من قبيل التجزئة التي قد تقبلها عناصر العلوم الطبيعية الدقيقة، وترفضها عناصر العلوم الإنسانية القائمة على الكلية و "الاشتمال".(5)
وأن صورة السكن على النحو الذي نعيشه الآن في المدينة العربية المعاصرة، يعمل على تبديد أواصر المجتمع، وقتل العلاقات الأسرية، وقطع التواصل الرحمي، وتحويل المجمعات السكنية إلى "شقق" يأوي إليها أفراد لا رابط يربطهم بماض أو نسل. همهم الأول أن لا يزعجهم أحد في فسحتهم تلك، وأن لا يزعجوا بدورهم أحدا في فسحته الخاصة. حتى صار المكان أشبه شيء بكرة زجاجية تنعزل فيها الجرثومة الخطرة على ذاتها قبل أن تكون خطورتها على غيرها، و هذه الصورة لا نجدها في الريف حيث تتجاور الدور في المكان من خلال صيغة اجتماعية .
إن الرحلة والحركة، تنفيان المكان ،ولا يكون النفي إلغاء للمكان، ومسحا له. وإنما النفي هو في سلب المكان خصوصية الثبوت. لأن المكان عاجز عن الفعل التدميري الذي يحدث في المدينة دون شيء من الثبوت، تتباطأ فيه حركة الزمن، وتتكرر فيها دوراته بانتظام روتيني ممل. وإذا سلبنا من المكان خاصية الثبوت، أو قللنا تأثيرها بفعل الحركة، فقد قللنا من سلطان المكان، ومنحنا التحول فرصة تجديد عناصر الشخصية، بما يطرأ عليها من تجدد، تكتسبه من الأمكنة الأخرى. وإذا كانت مفارقة المكان "فيزيائيا" مستحيلة كلية، فإنه في مستطاعنا التخفيف من وطأته، وإدخال التنوع عليه، بتعديد الأمكنة وتواليها.
لذلك كانت الرحلة في الأدب العربي عنوان الانعتاق والتحرر، يحن إليها كل حين، وكأنها جزء أساسي من تركيبته الشخصية، يألفها كل الإلف. وقد قال تعالى: "لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف" . (قريش2.1) ووجود الرحلة في الصيف والشتاء، يوقِّع الصيرورة الزمنية للحياة، ويمنح للإنسان العربي حياة جديدة الذي هو في حاجة ماسة إليه. لأنه جزء من المعاش، والاستقرار، والأمن : "فليعبدوا ربّ هذا البيت، الذي أطعمهم من جوع، و آمنهم من خوف". (قريش 4.3) والرحلة – بعد - أي الانتقال من مكان إلى مكان :» مستمد من أسطورة البعث .. أما الانغلاق في مكان واحد، دون التمكن من الحركة. فإن هذه الحالة تعبر عن العجز، وعدم القدرة على الفعل، أو التفاعل مع العالم الخارجي، أي مع الآخرين.« (6) وإذا كان الله قد خص قريشا بالرحلة شرقا وغربا، فإنه دعا في كثير من المواطن في كتابه الكريم إلى السياحة، والضرب في مناكب الأرض، والمرور على ديار الأقوام البائدة للتذكر والعبرة، وركوب البحار، وقطع الصحارى. بل وخص المرأة ب"السائحات".
-4-
إذا أردنا أن نتحدث عن صورة القاهرة عند نجيب محفوظ كمكان أعطي محفوظ صورة متخيلة تجسد ثقافة المدينة عبر تاريخها و تحولاتها الاجتماعية،و " القاهرة عند نجيب محفوظ هي عالمه الأثير، والقاهرة الشعبية التي صورها في رواياته جزء هام من مصر، بل هي مصر في فترات تاريخها الممتد.. لقد خلد القاهرة في رواياته وحافظ على تاريخها الشعبي الجميل والصعب، وإذا انتزعنا أحياء القاهرة من أعماله الروائية ستفقد الكثير والكثير"،(7)و كان المكان الأثير لديه هو المقهى الذي يجتمع فيه البشر و ذكر في رواياته عدد من المقاهي الموجودة في الواقع مثل : مقهى عرابي بالعباسية ـ مقهى الفيشاوي ـ مقهى الفردوس ـ مقهى قشتمر ـ مقهى سفنكس ـ كازينو الأوبرا ـ مقهى زقاق المدق ـ كازينو السكاكيني ـ مقهى أحمد عبده بالحسين ـ مقهى ريش ـ مقهى علي بابا ـ كازينو كليوباترا ـ كازينو قصر النيل ـ مقهى لونا بارك،و لا يمكن الحديث عن قاهرة نجيب محفوظ دون ذكر الأديب جمال الغيطاني الذي تخصص في الحديث عن قاهرة نجيب محفوظ سواء كانت مكانا واقعيا أو متخيلا لأنه عايش نفس الأماكن التي اعتمد عليها نجيب محفوظ في السرد الروائي فقد بين الغيطاني عبر كتابه" قاهرة نجيب محفوظ" (و أحاديثه بأن احدا لم يخلص لمدينته مثلما اخلص نجيب محفوظ للقاهرة،وركز الغيطاني في حديثه عن ميدان بيت القاضي في الجمالية والذي كان عبارة عن فناء لقصر وميدان كبير في العصر المملوكي الاول ولم يتبق من البيت إلا قاعة استخدمها القضاة. وحدد الغيطاني المنزل رقم 8 في ميدان بيت القاضي والذي ولد فيه نجيب محفوظ وكان يطل على درب القرمز من الناحية الاخرى، واوضح ان "حكايات حارتنا" هي عبارة عن كتابات يصف فيها محفوظ ميدان بيت القاضي، ومعارك الفتوات فيه كما تطرق الغيطاني إلى تركيبة درب قرمز، والاحداث التي مرت به وما كان يحدث في ميدان بيت القاضي من مظاهرات وحركة بالاضافة إلى ملامح العالم الاول الذي نحت منه محفوظ عالمه الروائي وانتقاله بعد ذلك إلى الحلمية ثم العباسية، وان علاقته بالقاهرة القديمة بدأت تعود في مرحلة الثانوية من خلال صداقته مع صبي ذهب به إلى حي الحسين، كما ان محفوظ تعرف على زقاق المدق، وكتابته لشخصيته زيطة صانع العاهات.(9)
و ذكر الغيطاني أيضا أن نجيب محفوظ حفظ تراث القاهرة القديمة ولولاه لضاع الكثير منها، كما ان هناك اماكن اكثر اهمية من التي ذكرها محفوظ في رواياته الا انها اختفت ولم يعد يذكرها احد، لأن محفوظ لم يكتب عنها. و قد أخلص نجيب محفوظ 1988 لمكان محدد لا يزيد على بضعة كيلومترات حتى يصعب على القارئ أن يتخيل القاهرة الفاطمية بدون أعماله الروائية والقصصية.
وفي دراسة شائقة قارن الشاعر المصري شريف الشافعي بين ما كانت عليه الاماكن التي دارت فيها أحداث روايات محفوظ وما آلت اليه ليصل الى أن المكان في أعمال محفوظ ليس مجرد مساحة جغرافية ساكنة بقدر ما هو كائن حي ينمو في النسيج الروائي متفاعلا مع الشخصيات «ويستوعب سيولة الزمان».ويكاد القارئ الذي لا يعرف القاهرة الفاطمية يظن أنها باتساع الكون حين يكتفي فقط بتخيل مساحتها عبر قراءة أعمال خلدت أماكن وشوارع محددة منها (بين القصرين) و(قصر الشوق) و(السكرية) و(زقاق المدق) و(خان الخليلي).
وقال الشافعي في كتابه (نجيب محفوظ .. المكان الشعبي في رواياته بين الواقع والابداع) بعد رحلة تقصى فيها مصائر تلك الاماكن ان الزمن ترك أثره وايقاعه فتبدلت أشياء برع محفوظ في تثبيتها فنيا ومنحها روحا متجددة، و أضاف في الكتاب الذي صدر في ذكرى الميلاد الخامس والتسعين لمحفوظ «ها هي أمكنة روايات نجيب محفوظ تمتثل لقانون التغيير الأزلي.. العطفة تتحول الى الشارع. والحانوت الى سوبر ماركت. والملاية اللف الى فستان. والبيت الحجري القديم الى عمارة شاهقة. وتبقى الأثريات والعمائر الاسلامية العتيقة وطائفة الحرفيين والصنايعية المتأصلين يبقى هؤلاء كلهم ليحفظوا جسد الجغرافيا من التلاشي وروح التاريخ من الذوبان».

ورصد المؤلف بعض المعالم الواردة في رواية (بين القصرين) وهي الجزء الاول من الثلاثية الشهيرة ليجد أن شارع بين القصرين أصبح يحمل اسم المعز لدين الله وأن المقهى الذي كان يجلس عليه ياسين بن أحمد عبد الجواد لا وجود له. وتسجل الرواية أن المقهى كان يواجه بيت زبيدة الراقصة «العالمة» لكن بعض أهالي الحي أنكروا وجود راقصات أو عوالم بين سكانه لا الآن ولا عام 1919، حيث دارت أحداث الرواية.
وقال إن الاثر الذي اختفى ولم يحزن عليه أحد هو البرقع الذي كان يغطي وجه المرأة في (بين القصرين) وبعض الأحياء الشعبية. أما حي خان الخليلي في الرواية التي حملت اسمه وتدور أحداثها في مطلع الاربعينيات فلم يتغير كثيرا اذ يقسم الخان الى حارات متخصصة في صناعات النحاس والذهب والعطارة كما أن المقاهي تسبب ضوضاء لا تنتهي حتى أن بطل الرواية أحمد عاكف الذي انتقل حديثا الى خان الخليلي لا يستطيع التركيز ففي أول الليل سكنت «ضوضاء النهار ولكن لتحل محلها ضوضاء أشد وأفظع... وعجب كيف يحتمل أهل الحي ضوضاءه أو كيف يغمض لهم جفن..». ومقهى الفيشاوي من أشهر مقاهي الحي بل يعد جزءا من تاريخه ولا يجاريه في الجاذبية (مقهى نجيب محفوظ) الذي افتتح عام 1989 وحفرت أسماء بعض رواياته على أحد أعمدته(10) .
و إذا أردنا أن نتناول القاهرة في الأدب الحديث، فالقاهرة هي تلك المدينة الضخمة المخيفة‏,‏ ذات الوجوه الألف‏,‏ التي يصعب الوقوف أمامها دون اتخاذ موقف منها‏,‏ مدينة تدعو العابرين وسكانها‏,‏ لاسيما الفنانين‏,‏ الي الاندماج‏,‏ أو البقاء خارج ممراتها وأسرارها الدفينة‏.‏ هكذا تصف الباحثة‏,‏ والكاتبة الصحفية‏,‏ دينا حشمت مدينة القاهرة في تقديم كتابها القاهرة في الأدب المصري الحديث والمعاصر‏..‏ من حلم المدينة الكبيرة إلي عزلة الضواحي وهو في الأساس ترجمة الرسالة التي تقدمت بها لنيل درجة الدكتوراه من جامعة السوربون الجديدة باريس‏3‏ وقامت بترجمتها للعربية بنفسها‏,‏ وصدر أخيرا عن المشروع القومي للترجمة بالمجلس الأعلي للثقافة‏.‏
تنطلق دراسة دينا حشمت من انعكاس تطورات مدينة القاهرة في الأدب المصري الحديث والمعاصر من خلال ستة نصوص هي زقاق المدق لنجيب محفوظ‏,‏ والنداهة ليوسف إدريس‏,‏ وعصافير النيل لإبراهيم أصلان‏,‏ وهليوبوليس لمي التلمساني‏,‏ وقانون الوراثة لياسر عبداللطيف ولصوص متقاعدون لحمدي أبوجليل‏.‏
وتبدأ حشمت بدراسة تاريخية لتأسيس القاهرة عودة‏,‏ ليس فقط للمدينة القديمة أي القاهرة الفاطمية‏,‏ وإنما للإنشاءات العمرانية التي شكلت فضاء القاهرة قبل ذلك مرورا بالفتح العربي لمصر‏,‏ ووصولا للقاهرة بمعني التي لا تقهر التي أسسها الفاطميون سنة‏969‏ ثم تحديثها علي يد الخديو إسماعيل بالشكل الذي استقرت عليه فترة طويلة وحتي ظهور ما تسميه المدينة الثالثة التي يحدد ظهورها ببداية السبعينيات‏,‏ وتسمح أهمية هذا التاريخ بطرحه كنقطة فاصلة بين وضعين لمدينة القاهرة‏,‏ فتشكل بداية سياسة الانفتاح سنة‏1973‏ حدثا في غاية الأهمية بالنسبة الي مجال السكن في مصر‏,‏ فمنذ هذا التاريخ بدأ انسحاب الدولة من القطاعات التي كانت تسيطر فيها علي كل شيء وظهر قطاع خاص ذو أهمية متزايدة يقدم خدماته للزبائن القادرين علي الدفع‏,‏ وفي مواجهة الأزمة السكانية كان قطاع السكن من أوائل القطاعات التي مسها هذا الانسحاب واتخذت ظاهرة السكن غير الرسمي أهمية غير مسبوقة‏,‏ هذه الظاهرة هي أهم ما يميز القاهرة الكبري حاليا وإن كان يرافقها إعادة تحديد الأدوار المختلفة للمدينة القديمة والحديثة‏.‏
و تتناول دراسة حشمت رواية زقاق المدق بوصفها تركز علي حي الجمالية في قلب القاهرة القديمة في فترة تاريخية محددة‏,‏ أما رواية عصافير النيل لأصلان فهي تركز علي تداخل الريف والمدينة‏,‏ أما النداهة ليوسف إدريس فتركز علي الريف من منطلق اغتصاب المدينة للريف أو فقدان البراءة الريفية بينما تتناول هليوبوليس‏,‏ لمي التلمساني بوصفها معبرة عن حي مصر الجديدة البورجوازي‏,‏ وقانون الوراثة لياسر عبداللطيف لأنه يكشف تطورات حي المعادي أما لصوص متقاعدون لحمدي أبوجليل فتركز علي ظاهرة الاحياء العشوائية وخاصة منشية ناصر‏.‏ وترصد مؤلفة الكتاب أن المدينة الضخمة علي حالها اليوم لم تترك حيزا كبيرا للحلم‏,‏ أو لهذا الحلم تحديدا‏,‏ حيث إن النصوص الحديثة أصبحت تصور فضاء مشتتا ومفتتا حل محل المدينة الحلم تلك التي أنتجت في زمنها بطلات شكلت مركز نصوص مبنية بكاملها حول التعطش الي مزيد من الحداثة والرغبة التي قد تكون قاتلة في الذوبان في تلك المدينة‏.‏
-5-
و أختم حديثي بالحديث عن علاقة المكان بالجسد لأن المكان هو الفضاء الذي يتواجد فيه الجسد و عبر العلاقة بينهما يمكن تحديد مفهوم الأنا و الغير، فالأنا عند ابن سينا هو ما يقصد به الفرد البشري بلفظ “أنا”. هو جوهر قائم بذاته مخالف للجسم و أحواله. هو شيء وراء هذا البدن. لذا تختلف “الأنا” عن الفرد؛ إذ هذا الأخير يعني مجرد تلك الوحدة البيولوجية أو العضوية التي تضمن بقاء الماهية في كائن. لذا يعتبر الفلاسفة الأنا ذلك الجوهر المفكر الواعي بذاته مختلفة عما سواها و متفردة. أما الغير فهي ما خالف كل ذات، أو ما يغاير و يضاد أناي و يماثلها في آن واحد أي هم الأخرون من أمثالي.. إن إدراك تمايز الذات عن الغير يتم عن طريق الوعي بالذات و الوعي بالموضوع. و هنا يطرح السؤال عن العلاقة بين الوعي و الوجود.
يقدم ديكارت عبارته المشهورة في تقدم الوعي عن الوجود حين يقول أن الوعي أو فعل التفكير حقيقة لا يمكن الشك فيها: إذ كل شك في هذه الحقيقة هو ليس شيئا آخر غير التفكير. إذن “أنا أفكر” حقيقة مطلقة تنتج عنها حقيقة الوجود إلا أن فصل الوعي عن الجسد و العالم الخارجي موقف مخطئ بخصوص طبيعة الشعور من حيث أنه انفتاح على العالم و على الذات. هذا ما أراد أبو الظاهراتية “إدموند هوسرل” أن يوضحه: ليس الشعور جوهرا ولا مادة، إنما هو نشاط إسقاطي على الأشياء. فهو في تغير مستمر نظرا لعلاقة بين الخبرات الماضية و تجاوز الحاضر من خلال القصد إلى العالم الخارجي و موضوع الشعور.
إن وعي الذات بذاتها أمر مستحيل لأن الذات من حيث هي واحدة لا يمكن لها أن تعي ذاتها بذاتها. فلا بد من طرفين في كل معرفة هما الذات العارفة و موضوع المعرفة. و أن معرفة الذات ليس إلا انطباعا و تمثلا. و ليست معرفة حقيقية. لذا يتحدث الظاهراتيون عن الوعي أو الشعور القصدي. و علم النفس التحليلي من جهته يرى أن الذات ليست مملكة يتربع عليها الوعي و تنفتح جنباتها للوعي مثل انفتاح الكتاب. فلقد قرر “فرويد” أن الكثير من سلوكياتنا خاضعة لقوة المكبوتات، تلك الرغبات التي اكرهنا على كبحها. و بالتالي لا يمكن للشعور أن يتعرف على اللاشعور. و هذا يعني أنه لا جدوى من المحاولة في معرفة الذات؟ و أن معرفتنا لأنفسنا مستحيلة؟ و إذا كانت معرفة الذات لنفسها كذلك، ألا يمكن أن تعرف الذات نفسها من خلال الغير؟
إن الغير الذي أعيش معه في تفاعل يحكم علي و من خلال أحكامه تلك إما أنه يطلعني على ذاتي أو يدفعني إلى التفكير في ذاتي و هكذا يصقل الوعي بالذات. و الوجود المستمر للغير فتلك المواقف و المناسبات هي في الحقيقة فرص لتذكير الذات بقيمتها. لكن ذاتي لا يعرف منها الغير إلا الظاهر. فالشخصية الموضوعية لا تعبر عن حقيقة الذات.
إذن، معرفة الذات لذاتها معرفة حقيقية مستعصية. و يبقى الوعي رغم ذلك شرطا ضروريا. فالذات هو نسق من العلاقات الواعية و اللاشعورية و وعي و اتصال بالغير. و هذه العلاقات تحدد تقريبا ماهية الفرد دون تغليب الذات. فكيف تتحدد هذه المعرفة لدى الفلاسفة؟ إذا كانت معرفتي لذاتي متوقفة على الغير، فمعرفة ذلك الغير لذاته متوقفة علي. فهل يكفي أن أكون مغايرا لأكون أنا؟
إن الأنا هو حضور الذات أما م الأنا. و الغير هو أنا آخر خارج عني. هل يمكن للأنا الواعية بذاتها أن تعرف غيرها؟ هل يمكن أن نتعرف على الغير مثلما نتعرف على الأشياء والموجودات الأخرى؟ و في هذه الحال لن يكون إلا مثيلا لبقية الأشياء و يفقد بذلك كل مقوماته كإنسان.
إذا كانت كل معرفة تقتضي تفكيرا يتعلق بموضوع خارج الذات و مغاير لها منفصل عنها، بينما معرفة الذات لنفسها لا يحصل بالاستدلال (التفكير) و إنما بالحدس. لذلك تحصل معرفة الذات بالحدس أما معرفة الغير تكون بالتفكير. و يقوم التفكير على المقارنة بين الموضوعات التي توجد خارج الذات العارفة.
بينما يرى الجدليون أن معرفة الذات تكون على أساس التناقض. إن الذات كشعور مستحيلة من دون وجود الطرف النقيض الذي أحقق من خلاله وجودي الفعلي. فالغير ضروري للأنا للانتقال من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل أو الوجود في الواقع الخارجي في إرادة التغلب و السيطرة عليه أو التموضع فيه. بقدر القسط نؤثر فيه على الغير نحدد ذاتا ما متميزة عن الغير. هذه الذات التي تحقق إرادتها و يعكس الغير تلك الإرادة.
تحقق الذات على أساس الصراع قد نجده في قوانين الوجود الحيوانية. أما الوجود الإنساني متميز بالعقل و الوعي و الإرادة. و ما دامت كل ذات تتصف بذلك فالتعرف الأجدر بالإنسان هو الذي يتم بفضل هذه القوى و هذه الخصائص. فالغير ليس ذلك الذي يجب التعامل معه بالقوة أو مثلما نتصرف في الجوامد، و إنما يكون بالتكامل بين الذات و الغير. فالأخر يعرفنى بذاته، كما أعرف ذاتي للغير دون تصادم أعمى. فالأخر ضروري للتعرف على ذاتي بنفس الضرورة التي أكونها ليعرف الآخرون ذواتهم.
إن كانت كل ذات بمثابة الموضوع الممتنع معرفته من لدن الغير، و أن الحدس لا يعرفنا بحقيقة الأنا و لا بالغير، يكون التواصل أفضل وسيلة للإطلاع على مكنون الغير و التعرف عليه كما أطلع الغير على “أناي”. و بحكم المماثلة بين الذوات البشرية و الاشتراك في العواطف و الوجدان و في اللغة الطبيعية و الاجتماعية يمكن تعريف بعضنا للبعض و يعرف بعضنا الآخر.
و يؤكد “ماكس شيللر” أن التعاطف وسيلة الإنسان في التعرف على الغير. أما الظاهراتيون فيرون أن التعاطف هو نزوع إلى امتلاك الغير و بالتالي يصير شيئا من الأشياء . لأننا لا نملك في الحقيقة إلا الأشياء. أما مشاعر الناس و جواهرهم فهي تفلت من قدراتنا. لذا نجد “برجسون” يرى أن اللغة لا تطلعنا على حقيقة الغير، كما لا نجيد تعريف أنفسنا بها للغير.
و “جبرئيل مارسيل” فإن الأنا من حيث هو منفرد لكنه ليس شيئا نعبر عنه بـ “هو”، و الذات البشرية ليس الغير و إنما حضوره الدائم أمامي و في أناي في كل الواقف كحرية مثلي، التعرف عليه يكون بالتفتح عليه. و بالتالي تكون الصورة التي أملكها عن الغير هي التي بتمثلها شعوري.
إذا كانت الجهود من أجل أن نفهم الآخرين و يفهمنا الآخرون هي من دون جدوى، و للخروج من هذا الفشل وجب الانطلاق من جملة من القيم السامية و المتأصلة في كل واحد منا و هي تعبر عن الشخص الإنساني الذي يتواجد في كل واحد منا. لأنها ميل إلى الأخر على أساس الطيبة و الخير .
لأنه إذا كنت أنا تابعا لأناوات أخرى هي غيري، فهذه المجموعة التي أنتمي إليها تلحق الأنانية المركزية ضررا بالكل المكون للجماعة، فإننا نكتشف التشابه بيننا و الغير بقدر ما انشغل عن “أناي” و اهتم بالغير و بذلك تنمو مسؤوليتي. فذاتي لا تتحدد إلا على أساس ارتباطي و دوري بالنسبة إلى الغير.
لدى “سارتر” يعني الانتباه التوجه نحو الخارج نحو الغير أو العالم الخارجي، و أن المعرفة هي إقلاع من الذات للوصول إلى ما ليس “أنا”. و لا يمكن أن يعقل أي حديث عن الوعي إلا إذا كان يقصد به وعي بشيء.
يرى البراجماتيون أنه يجب على الإنسان أن يتوجه إلى محبة الغير من دون اشتغال في البحث عن معرفته. و أن الاشتغال في البحث في التمييز بين “الأنا” و “الغير” يعمق الهوة بين الطرفين، إذ يكفي أن نستبدل الحدين بحد واحد هو الـ “نحن” فيه يحب كل واحد لأخيه ما يحب لنفسه. و أن التواصل الحقيقي هو في العمل و الإنتاج المشترك الذي يحقق سعادة الإنسانية أي الـ “نحن” في مواجهة الحياة.

وعي الإنسان بذاته ليس مستقلا عن الارتباط بالآخرين من حيث هم أشباه له و كل ذات مختلفة متفردة يجب تأكيد الخصوصية مع الاعتراف بدور الغير الأنيس و ليس الغريب.

الهوامش:
1-جاستون باشلار: «جماليات المكان» (ترجمة غالب هلسا)، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط4، 1996.
2- غالب هلسا: المكان في الرواية العربية، دار ابن هانئ، دمشق، 1989.
3-أشار له عبد الله أبو هيف: جماليات المكان في النقد الأدبي العربي المعاصر:مجلة جامعة تشرين للدراسات و البحوث العلمية _ سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية المجلد (27) العدد (1)2005
4- ميخائيل باختين: «أشكال الزمان والمكان في الرواية» (ترجمة يوسف حلاق). منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1990.
5- د. حبيب مونسي: فلسفة المكان فى الشعر العربي قــراءة موضوعاتــية جمالـــية. من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق – 2001 ص18
6- المرجع السابق :ص19 -20
7-( عبد الله هاشم: إسكندرية نجيب محفوظ مجلة "أمواج" الإسكندرية 2002/العدد الثالث عشر ) جمعة 08 شعبان 1427هـ - 01 سبتمبر 2006م
8- جمال الغيطاني :قاهرة نجيب محفوظ، منشورات الجامعة الأمريكية بالقاهرة . يتوقف فيه جمال الغيطاني عند كل من تلك المحطات المهمة للتفاعل مع أدب صاحب “الثلاثية” الذي تكاد تكون القاهرة الحب الأكبر في حياته. وهو يستعيدها دائماً في كل كتاباته سواء أكانت المدينة الواقعية بكل دقائقها وتفاصيلها الحياتية اليومية، أم مدينة متخيلة في الذاكرة، عبر القراءة وتداعيات التذكر وهيامات التوق. ويركز محفوظ على ذكر شوارع ومناطق بعينها في القاهرة القديمة، سارداً كل أوصافها في بعض اعماله وخصوصاً ثلاثيته الشهيرة “بين القصرين” و“قصر الشوق” و“السكرية”، وبعض رواياته الاولى مثل “خان الخليلي” و“زقاق المدق”. ونشرت الاميركية بريتا لوفا صوراً لشوارع القاهرة القديمة وحواريها وأزقتها، في كتاب الغيطاني الذي قام مع أستاذه المقرّب بجولة “في الاعماق المنسية في محاولة لنبشها واخراجها على سطح الذاكرة ”. جال في شوارع الجمالية، في قلب القاهرة التاريخي، حيث قضى الرجلان أكثر من ثلاثين سنة. وعلى امتداد المشوار، يتذكر نجيب محفوظ ما كان وما جرى، ويشير الى التغيرات التي حدثت في موطن طفولته عبر العقود المنصرمة، في رفقة صديقه الحميم ومريده الروائي صاحب “الزيني بركات و“التجليات” الروائي جمال الغيطاني.
9- يمكن الاشارة إلي حديث الغيطاني في ندورة البابطين عن قاهرة نجيب محفوظ التي ذكر فيها المغلومات الواردة .
10- جريدة الشرق الأوسط 04 ذو الحجـة 1427 هـ 25 ديسمبر 2006 العدد 10254

_________________


---------------الدكتور بيومي الشيمي---------------
avatar
الدكتور بيومي الشيمي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 1356
العمر : 66
العمل : الشعر الفصيح - النقد الأدبي
الأوسمة الأوسمة : 4
نقاط : 7355
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى