فرسان الفجر
أيها الفارس يامن حللت بين أهلك وعشيرتك في دار فرسان الفجر العربي مرحبا بك في دارك عضوا يضفي بمساهماته بريقا يتلألأ في ضوء الفجر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الحلو متكبر للشاعر نادر الأسيوطي
الإثنين 25 يناير 2016, 3:01 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» ديوانُ شعري أنوارٌ بمشكاة
السبت 07 نوفمبر 2015, 8:43 pm من طرف زاهية بنت البحر

» شاكر بوعلاقي اعود الى ماضينا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015, 4:20 pm من طرف خوري ليليا

» غرف نوم وغرف اطفال ومطابخ وانتيكات
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 9:45 am من طرف احمد عطية

» راجعين نادر الأسيوطي
الثلاثاء 18 مارس 2014, 4:57 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» البوم صور شاكر بوعلاقي
الثلاثاء 04 مارس 2014, 6:00 pm من طرف شاكر بوعلاقي

» محكمة
الخميس 13 فبراير 2014, 6:21 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» صلوا علي الحبيب المصطفي
الخميس 26 ديسمبر 2013, 7:08 pm من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده
الإثنين 02 ديسمبر 2013, 8:48 pm من طرف انا فيروز

» دقــــــــولــــهــــا الــــهــــون
الخميس 09 أغسطس 2012, 8:23 pm من طرف عامر عبدالسلام

التبادل الاعلاني

الجزء الخامس من كتاب الدراسات للمؤتمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء الخامس من كتاب الدراسات للمؤتمر

مُساهمة من طرف الدكتور بيومي الشيمي في الأربعاء 05 مايو 2010, 4:10 pm

القاهرة في الأدب
نظرة تاريخية فنية
د. مدحت الجيار
(1)
لم تتأسس القاهرة بالصدفة، بل راهن على بنائها الغازي المنتصر الآتي من المغرب العربي. وجاء ممثلا مذهبا جديدا، وتحمل القواد العسكريون مهمة تأسيس العاصمة الجديدة على الصورة التي يتمناها. إذ تحمس المعز لدين الله، والحاكم بأمر الله، وجوهر الصقلي، وبدر الدين الجمالي لتأسيس العاصمة الجديدة في مكان وبكيفية تضمن لهم السيطرة وسهولة الدفاع عنها. وكما بنوا في تونس مدينة المهدية بنوا مثيلا لها أمام الوجه الثاني للجبل المقطم، كما واجهت مدينة الفسطاط التي بناها عمرو بن العاص عند فتح مصر الجانب الآخر منه، ومثلها مدينة القطائع الطولونية. وتتوسط هذه المدن قلعة صلاح الدين الأيوبي.وكلها مدن تعد لحماية الدولة من الغزاة.
وبالتالي تبنى بأسوار عالية عريضة قوية من الحجارة، وتزود بالبوابات الضخمة والمزاغل والقلاع ليسهل الدفاع عنها. ولذلك بنيت القاهرة في الجبل، ولذلك نجدها ـ في الوقت نفسه ـ كغيرها من المدن القديمة ذات أبواب قوية، فلها أبواب النصر والفتوح وزويلة والخلق وكلها أبواب تفتح على الصحراء، وهي لذلك محاطة بالمقابر. فهي ـ بذلك ـ مدينة حصينة تغلق أبوابها بعد صلاة العشاء، ليسهل معرفة الغريب والمتسلل.
ومعمار القاهرة لا يختلف من الناحية العسكرية عن مثيلاتها في تركيا أو الدول المتأثرة بمعمارها في أوروبا الشرقية، لأن وظيفتها العسكرية واضحة. ومن ثم تواردت فكرة القلاع الرومانية ثم التركية على ذهن
باني القاهرة. فكأنه لم ينتقل من المغرب العربي. بل كان البناء وفق هذه الأسس طمأنة للوافدين من ناحية، ووضع طراز معماري جديد واردا من المغرب العربي إلى مصر، من ناحية أخرى. لأنهم يعلمون أن أهل السنة لن يتركوا مصر بسهولة. وقد وضح ذلك بعد خروج الفاطميين من مصر على يد الدولة الأيوبية، فقد تقلص شأن الشيعة، على الرغم من احتفاظ المصريين بجميع مظاهر الاحتفالات الدينية والشعبية، إذ أخذوا منهم مناسبات للفرح والبهجة والتسلية، ولم يأخذوا بمذهبهم الفقهي.
ولذلك كانت فكرة إنشاء مدينة حصينة للشيعة القادمين، مرتبطة برغبة في التمايز عن المدن السنية الأقدم.ولما كانت رغبة الفاتح في بناء عاصمة جديدة للدولة الفاطمية الجديدة، تراود خيال الحاكم الفاطمي. أنشأت مدينة القاهرة لتكون حصنا للفاطميين تمنع الوصول إلى المغرب، وتجعلهم في منعة على حدود الشام والجزيرة العربية.

(2)

تظهر صورة القاهرة في مؤلفات الكتاب من الأدباء والمؤرخين كما رأوها أو سمعوا ممن رآها. فقد وصفها ابن عبد المنعم الحميري في كتابه الروض المعطار في خبر الأقطار بقوله: (هي قاعدة الملوك المصريين ودار ملكهم في البلاد المصرية، وهي مدينة محدثة من بناء العبيديين الشيعة، الذين كانوا بها،وبينها وبين مصر ثلاثة أيام. وهي مدينة كبيرة..) " 1 ". والواضح أن قوله مصر يقصد ما بني خارج القاهرة خارج المبنى الجديد
وقد أكمل المقري التلمساني الصورة في كتابه " نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب " نقلا عن كتاب المغرب بقوله: (وأما مدينة القاهرة، الحلية الباهرة، التي تفنن فيها الفاطميون وأبدعوا في بنائها. واتخذوها قطبا لخلافتهم ومركزا لأرجائها، فنسي الفسطاط، وزهد فيه بعد الاغتباط،وسميت القاهرة لأنها تقهر من شذ عنها ورام مخالفة أميرها... وهي مدينة بناها المعز أعظم خلفاء العبيديين)2
وقد بنيت القاهرة ليتميز الفاطميون بمبانيهم، فقد حاولوا لفت الأنظار عن مدينة الفسطاط التي بناها أهل السنة عند فتح مصر قريبة من نهر النيل وعلى حدود الجبل المقطم. ومن ثم كانت الموازنة والمقارنة مستمرة بين المدينتين.من ذلك ما قاله المقري التلمساني في نفح الطيب أيضا: (والفسطاط أكثر أرزاقا، وأرخص أسعارا من القاهرة، لقرب النيل من الفسطاط، والمراكب التي تصل بالخيرات تحط هناك، ويباع ما يصل فيه بالقرب منها، وليس يتفق ذلك في ساحل القاهرة، لأنه يبعد عن المدينة".
وبالتالي كانت المنافسة بين العواصم كامنة في ذهن المشيدين. ولكن بعد أن رآها المقري التلمساني بنفسه قال ملاحظات أخرى يقول: (ثم صعدت إلى القاهرة قاعدة الديار المصرية، لمعاينة الهرمين وما فيهما من المعالم الأزلية، وعاينت القاهرة المعزية، وما فيها من الهمم الملوكية، غير أني أنكرت مبانيها الواهية، على ما حوت من أولي الهمم العالية، وكونها حاضرة العسكر الجرار وكرسي الملك العظيم المقدار... ثم ركبت النيل وعاينت تماسيحه..)"3".
والعجيب أن المقري يعاين التماسيح في النيل في تلك الفترة، وهو ما يشير إلى جنوب مصر وليس القاهرة. وهذا ما يشير إليه علي الغراب الصفاقسي في شعره عن القاهرة، وهو التونسي الذي رأى المهدية من قبل:

يقولون تونس مصر عجيبة وأرجاؤها جنة زاهرة
نعم هي مصـــــــر لأربابها وللواردين هي القاهرة

ويشير ابن تغري بردي في كتابه النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة:
(ذهبت تلك الأماكن بأجمعها عند خراب قطائع ابن طولون لما أخربها محمد بن سليمان الكاتب، لاسيما لما بنيت القاهرة في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة...
وأما ظاهر القاهرة من جهاتها الأربع فقد تجدد ذلك كله في الدولة التركية، ومعظمه في دولة ابن قلاوون محمد...) "4" مما يوضح استمرار العناية بالقاهرة في كل الدول والحكام الذين توالوا عليها. مما أنشأ في القاهرة كل الحرف الشعبية، والأسواق العامة والمتخصصة. وخرج من أهلها كل الحرفيين والمهنيين والتجار والفرسان والعلماء الذين احتاجت إليهم الدولق التركية في نهضتها بعد زوال دولة المماليك على يد قنصوة الغوري، وبعد معركة الريدانية
عام 1517 م، وبعد أن أبلى المصريون بلاء حسنا في الدفاع عن وطنهم الغالي، بقيادة طومان باي .ومن هنا دخلت مصر والقاهرة بخاصة تحت الحكم العثماني السني، الذي يعاني من صراعه في أوروبا، وهي المعارك التي احتاجت الخبراء والفرسان والمقاتلين والمهنيين من القاهرة بعد الغزو العثماني.
ويفسر لنا ذلك جمود الأوضاع في القاهرة ومصر بعامة. ويفسر المخزون الحضاري بكل مستوياته لدى سكان القاهرة في تلك الآونة. من هنا استمرت الحياة في القاهرة نموذجا للحياة المدنية الشعبية. فهي التي انتفضت ضد جنود الأتراك، ثم الفرنسيين في ثورتي القاهرة أثناء الحملة الفرنسية، ثم إنها التي تحملت كل الأعباء السياسية والاقتصادية والعسكرية خلال العصر الحديث.
ومن ثم تأصلت القاهرة كعاصمة لكل عهود الحكم منذ تولية محمد علي 1805 م حتى كتابة هذه السطور.
ولذلك تعد مرآة لما يحدث في مصر كلها. فمنها تصدر بدايات الأشياء، وهذا هو سر التركيز على القاهرة عند التحديث لأنها مركز لاستجماع العلماء والفنيين، بصرف النظر عن مكان المولد، أو المستوى الاجتماعي الذي صاحب الميلاد.
فمن الأزهر خرجت البعثات الأولى إلى أوروبا، ومن القاهرة خرجت البعثات الثانية من مدارس محمد علي وإسماعيل ومن الجامعة الأهلية ثم بقية الجامعات المصرية التالية. ومن هنا حمل الحي الشعبي في القاهرة ملامح الحقب التاريخية التي مرت عليه واختزنها وأضاف إليها خبراته الثقافية والحياتية، ولهذا نعجب بما يكتب عن القاهرة في أي عصر، وفي أي شكل أدبي. وهذا ما سجله المقريزي في خططه، ثم أضاف إليه على مبارك، ثم أمين سامي، ثم جمال حمدان. ونستطيع القول شخصية القاهرة العاصمة، على غرار شخصية مصر.
وكأننا نقول مع الصفي الحلي عن القاهرة:

لله قاهرة المعز فإنها بلد تخصص بالمسرة والهنا

وقد أضاف ابن تغري بردي على قاهرة المعز الأبواب التي بناها جوهر القائد وهي التي لاتزال أسماؤها أسماء لبعض لأحياء داخل القاهرة القديمة إذ يقول في النجوم الزاهرة:
(وبنى...مسجدا داخل السور، وأدخل أيضا قصر الشوك في القصر المذكور، وكان منزلا تنزله بنو عذرة، وجعل للقصر أبوابا: أحدها باب العيد،وإليه تنسب رحبة العيد، وإلى جانبه باب يعرف بباب الزمرد، وباب آخر قبالة دار الحديث يعني المدرسة الكاملية. وباب آخر قبالة القطبية، وهي البيمارستان الآن، يعرف الباب المذكور بباب الذهب، وباب الزهومة، وباب آخر من ناحية قصر الشوك، وباب آخر من عند مشهد الحسين، ويعرف بباب التربة، وباب آخر يعرف بباب الديلم، وهو باب مشهد الحسين الآن قبالة دار الفطرة...) "5 "
هكذا تظهر القاهرة وحاراتها وطرقها وقصورها وشعبها. وهكذا أصبحت مشهدا فنيا وثقافيا نقله الشعراء والكتاب، بل تسمت الأعمال الأدبية باسمها وباسم مناحيها وشوارعها وأزقتها وحاراتها وخصائص ناسها.
في حي الجمالية، بوسط مدينة القاهرة في تقسيما الحديث. وهو الحي المنسوب إلى بدر الدين الجمالي الفاطمي، ولد نجيب محفوظ، وعاش كتاب آخرون زائرون، من أمثال الدكتور طه حسين، وجمال الغيطاني، وولد صاحب هذا البحث. وأهم ما يميز حي الجمالية الفاطمي أنه حي قديم، حمل، منذ بنائه، تقاليد إسلامية، وعربية ومصرية، موروثة وحديثة كانت في مصر قبل، وبعد دخول الفاطميين. وحمل الحي تقاليد الفاطميين الفاتحين، ومن بعدهم من حكام غير مصريين، في عصري: المماليك، والعثمانيين. وهو حي زاخر بالعمارة الإسلامية، والمهن والحرف الشعبية، التي اكتسبها الشعب المصري طوال تاريخه القديم، والوسيط خلال العصور المملوكية العثمانية والحديثة.
مما أعطى لأهل الحي سمات حضارية عربية وإسلامية ومصرية قديمة موروثة من قبل الفتح الإسلامي، وقبل الفتح الفاطمي وبعدهما. وقد حمل الحي أهم مركزين إسلاميين: الجامع الأزهر، وهو المركز العلمي الإسلامي لكل المسلمين في العالم، وكذلك جامع الحسين، المركز الديني لآل البيت النبوي.وأضيف إليه في عصر الرئيس السادات الجامع الأنور، وهو ثاني مساجد الفاطميين في القاهرة القديمة.
من هنا أصبح لأهل هذا الحي صلة مباشرة بكل الأحداث التاريخية القديمة التي تظهر عند الاحتفالات الرسمية أو الشعبية أو الدينية. وكان الحي موئلا لطلاب الأزهر الشريف كسكن وعمل. وقد زادت مكتبات سور الجامع الأزهر من أهمية الدور الثقافي الذي لعبه الحي. ونظرًا لقيمته التاريخية والسياحية والمعمارية يستقبل هذا الحي ـ منذ إنشائه وحتى الآن ـ ملايين الغرباء من الأجانب المسلمين، وغير المسلمين، من كل جنسيات العالم.
(3)
يمثل نجيب محفوظ شيح الحارة المصرية، العارف بشجرة أنساب السكان ومهنهم وأحوالهم المعيشية. وشيخ الحارة ادر على الفهم والإجابة عن أي سؤال يطلب منه عن ناس الحي أو الحارة وكلمته نافذة لدى الناس ولدى السلطة، ولا تعني شيخ الحارة، أنه كبير السن أو عجوز، بل تعني القادرة الفاهم، وحبذا لو زادت عليه خبرة السنين ليلمح تاريخ الأجيال، وتطور حارته عبر مراحل الحياة في مكان واحد.
هكذا عاش نجيب محفوظ شيخًا للحارة المصرية يعرف تاريخها، وتاريخ ساكنيها، وعلاقاتهم بالأحياء الأخرى. ثم مؤتمرات التاريخ عليهم عبر الأجيال، أو عبر حوادث كبرى تغير شكل الحارة أو وظيفتها وزاد على ذلك خبرة السنين التي أمهلته أكثر من تسعين عامًا وسط أهل الحي ووسط الوافدين على الحي. وهو أمر زاد بدراسة الفلسفة، ودراسة الحيلة. مما جعله قادرًا على الوصف والرصد والتحليل.
ولقد اختار نجيب محفوظ الحارة بمفهومها الواسع واختار الأزقة والشوارع والأحياء المختلفة ليختبر ـ فيها ـ شخصياته وأفكاره. فخرج علينا بهذا الزخم من العناوين والشخصيات الدالة. إذ ليس من الغريب أن تسمى بعض الروايات بأسماء الأماكن، وحتى الأسماء الأخرى لم تغادر الأماكن نفسها، ولم تترك حركة الناس فيها.
ومحفوظ من الكتاب أصحاب المشاريع الذين يكتبون بطرق متعددة، لكنه يضع ـ في مخيلته وذاكرته ـ ما يكتب ضمن سياق يعرفه، ويعرف موعد تجميعه أو استكماله في الوقت المناسب فقد يبدأ بالثلاثية المصرية القديمة، لكنه يترجم قبلها كتاب مصر القديمة، وبعد عشرات السنين يكتب (العائش في الحقيقة) و(تحت ساق العرش) ليستكمل الرؤية القديمة وتكتمل حلقة مصر القديمة متأخرة، لكنها تظل داخل إحدى مراحل مشروع المؤلف.
ويكتب (أولاد حارتنا) التي جلبت عليه جدلاً بعيدًا، لكنه يستكمل وحدتها في مشروعه بـ(الحرافيش) و(حكايات حارتنا و(قلب الليل) ويعتني بالمهمشين سكان الحارة والجبل والمقابر، رغم ما بين هذه الأعمال من فروق زمنية لكنا ذاكرة محفوظ، وفكره المنظم الذي يعرف نهاية المرحلة أو نهاية الوحدة السردية من المشروع كله.
ويكتب (زقاق المدق) و(خان الخليلي) و(اللص والكلاب) و(السراب) و(السمان والخريف) و(الطريق) و(الشخاذ) و(بداية ونهاية) و(قشتمر) و(ليالي ألف ليلة وليلة) و(ابن فطومة) ليؤطر وحدة فلسفية شعبيــــة من مشروعه السابق، لكن على اختلاف سنوات النشر.
ولم ينس أن يكتب في إطار الثلاثية (بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية) مشروعه السياسي الذي يقرأ ثغرات ثورة يوليو، ليستكمل الثلاثية في (ثرثرة فوق النيل) و(يوم قتل الزعيم) و(الباقي من الزمن الساعة) و(القاهرة الجديدة) و(المرايا) و(الكرنك) و(ميرامار) و(عصر الحب) ليحاكم الثورة المصرية خلال قرن من الزمان.
وهو في كتاباته لا ينسي أنه مجدد وصاحب مشروع يستمد من التراث والتجريب الكثير فيكتب (أفراح القبة) و(ابن فطومة) و(تحت ساق العرش) وهو التجريب الذي ختم – في نهاية حياته بسلسلة من الكتابات الخاصة (أصداء السيرة الذاتية) و(أحلام فترة النقاهة). وهي كتابات متعددة التقنيات تثبت أنه صاحب مشروع. ويكتب بطريقته الخاصة. إلا أنه متابع للمودات والمذاهب الجديدة، ولا يختلف عن كتابات الحداثيين أو أصحاب الرؤى الجديدة إنه يتجدد ويتابع مع الأجيال بالكتابة ن ثم يعود لمشروعه بعد أن يترك علامة على الطريق تقول لقد مررت هنا. ويقول للأجيال الجديدة أنا بعلم وأستطيع أن أكتب مثلكم.
هو مشروع سردي متعدد المستويات والتقنيات منذ عام (1932م) وحتى وفاته عام (2007م). لم يتوقف بين التاريخيين ثلاثة أرباع قرن من الكتابة: بين: الترجمة والقصة القصيرة والمسرحية والرواية. وتأخذ الرواية القدر الأعظم من هذا التاريخ حتى أن (ما بينهما) يمثل لحظة استراحة لاستئناف الرواية.
ويظل اهتمامه بالرواية يرتبط بقضايا فلسفية وفكرية وسياسية اجتماعية تشمل التاريخ السياسي الاجتماعي الثقافي لتاريخ مصر وشعبها. القديم والحديث على السواء. كما تبنى ـ خلال رواياته ـ قضايا (العدل الاجتماعي السياسي) والثورات والهبات والحروب ورأى أنها تغير من طبيعة الحياة وتطورها وتكشف عيوبها وتفتح الطريق أمام تصحيح الأوضاع في الأتي من الوقت كما حدث في روايات: السمان والخريف، وميرامار، والكرنك، الباقي من الزمن ساعة والقاهرة الجديدة بداية ونهاية يوم قتل الزعيم وقلب الليل. والنقد لديه وسيلة الإصلاح والتنبؤ بالمستقبل ومحاسبة الماضي التي اختزلها في حواره (تحت ساق العرش).
نذكر ذلك دون ذكر التواريخ الخاصة بالنشر في هذه الوحدة من البحث. لأن المشروع كله، ينظر إليه وحدة واحدة، ذات تجليات متعددة ومختلفة، وذات أدوات فنية مختلفة تتسق مع مرحلة ما بين المشروع أو تتفق مع لحظة الكتابة أو قرار فني باتخاذ طريقة ما في السرد. لكنها جميعًا تسمى مشروع نجيب محفوظ الروائي. وسوف نراعي تواريخ النشر عند التحليل الفني لنلمح تطور المشروع أو تراجعه أو ثبوته.
وللفنان حرية الحركة، وحرية التنقل بين الأنواع الأدبية المختلفة. ولنا أن نلاحظ تمكنه من نوع ما أو من بعض أمال فيه، عن الأنواع أو بعض الأعمال في نوع أدبي آخر.
لا نستطيع القول إنه يجيد في الرواية أكثر من القصة القصيرة، اعتمادًا على عدد الأعمال أو تواريخ نشرها. بل نحكم على كل نوع على حده، لنرى موقعه وطرق أدائه الفني. ونلاحظ هنا أن مجموعة الأعمال التي تهتم بقضية واحدة، أو تعالج عصرًا أو مكنونًا ما يمكن أن تتشابه في بعض مستوياتها. وقد تستمد من نوع أدبي آخر يكتبه نجيب محفوظ، يستكمله فيه.
وهذا ما حدث في المرحلة الأولى بين (1932م ـ 1944م) والثانية بين (1945م ـ 1949م) والثالثة بين (1956م ـ 1957م) والرابعة بين (1961م ـ 1977م) والخامسة بين (1980م ـ 1984م) ثم المرحلة الأخيرة حتى وفاته.
ونذكر هنا أن حصوله على جائزة نوبل، وأن حيثيات حصوله عليها تؤكد أنه صاحب مشروع سردي وفكري أنجزه حتى نوبل وزاد عليه ما بعد.
(4)
والقاهرة التي عشقها نجيب محفوظ، قاهرة مركبة حضاريًا ومعماريًا. فهي تشمل القاهرة الأولى التي بناها بدر الدين الجمالي ذات الأبواب المعروفة، وما تحتويه من دور العبادة، ودور العلم، والأسواق، وأماكن ممارسة المهن الشعبية، بالإضافة إلى بيوت السكان من الأهالي والفرسان، وبيوت القادة العسكريين والسياسيين والدينيين.
ثم تبدأ القاهرة القديمة الثانية التي توسعت بعد العصر الفاطمي، أعني في العصر الأيوبي الذي بنيت فيه قلعة صلاح الدين الأيوبي وما تبعها من مرافق السكان والجيش. ثم ما شيد للمماليك البرجية والمماليك البحرية في منطقة منيل النيل. وهي منطقة تحصر فيما بينها وبين القلعة وأسوار القاهرة الفاطمية منطقة مصر العتيقة التي تأسست مع الفتح الإسلامي وما قبله (في العصر الروماني). ودخلت ضمن مكونات القاهرة القديمة (قبل أن تعرف حدود المحافظات في العصر الحديث).
وبالتالي بنيت القاهرة في كل أدوارها القديمة على أساس عسكري يضمن لها الحماية ضد الجيوش الغازية التي كانت عادة ما تأتي من الشرق (ثم من شرق القاهرة) لذلك كانت كل الحدود خارج الأسوار والقلاع، مقابر وامتداد صحراوي يحده منطقة تلال أكبرها تلال المقطم الرابض على قاعدة القاهرة.
لذلك كلما نخرج من أحد أبواب القاهرة الفاطمية، الأيوبية نجد المقابر والصحراء (الخلاء). وكلما تزداد حركة الحياة تزداد المقابر، ويتقلص الخلاء، فقد خرج سكان القاهرة من الأبواب القديمة وبنوا في امتدادها الصحراوي. وهو ما تمثل في عمارة وأسواق وبيوت العصر المملوكي والعثماني وبدايات العصر الحديث، حتى تكونت القاهرة التي عرفها نجيب محفوظ، الممتدة لأحياء شرقية حتى العباسية ومصر الجديدة، ثم امتداد الجمالية في باب الشعرية والحسينية، والظاهر، وعابدين والسيدة زينب، والدرب الأحمر.
وهذا الفضاء القاهري متعدد الطبقات التاريخية والجغرافية، هي القاهرة التي أحبها وعاشها وكتبها نجيب محفوظ في القرن العشرين، قبل أن تعرف التوسعات العمرانية والعشوائية فيما بعد.
ولهذا كان السكان يتحركون بين هذه الأحياء بسهولة، ويستخدمون وسائل النقل البدائية قبل أن يعرف (الترام) و(السيارة) التي فرضت إعادة تخطيط المدينة.
ولو نظرنا إلى مكونات المدينة الأولى. وجدنا الامتداد العمراني يسير عموديًا على أحد أبواب القاهرة ليصل إلى القلعة في نهاية الأمر. كما أن التوسعات التي تلت الفاطميين حتى نهاية العصر التركي، قد مزجت العصور،
وتداخلت فيها عمارة العصور بسبب انتقاء صاحب المبني أو السلطة العسكرية لمكان مميز بصرف النظر عن التقسيم التاريخي والحضاري الأول.
لهذا فالقاهرة في حياة وأعمال نجيب محفوظ متداخلة العصور، متعددة المستويات في كل شيء. وهذا هو السر في بناء الحارات وعمل أبواب للحارات تغلق مساءً. الأمر الذي جعل أهل الحارة أشبه بالجيتو، المتماسك المتكافل الذي تجمع أفراده علاقات عميقة ومكشوفة جعلت لكل أبناء حارة أسرارًا ودخائل خاصة. لكنها ترتبط بالحي، والأحياء المجاورة. وكلها تخضع لعادات وتقاليد تشمل القاهرة كلها. والفارق الوحيد بين هذه الأحياء والحارات يكمن في أن يستوطن أحد التجار أو الساسة أو القادة لمكان في حي من الأحياء فيتميز عن الآخرين. كذلك بدأت الأحياء الحديثة التي أقيمت خارج القاهرة القديمة بكل مستوياتها تخلق حياة حديثة مختلفة في كل شيء على النمط الأوروبي. وشجع على ذلك الاحتلال في القرن التاسع عشر والعشرين.
مما قسم القاهرة مرة أخرى، إلى القاهرة القديمة، والقاهرة الجديدة أو الحديثة. وسوف نقوم ـ بلا شك ـ علاقات ما بين القاهرتين مركزها حي (الجمالية) ومنطقة (وسط المدينة) بين السكان. إذ نشأت أسواق جديدة، ووسائل ترفيه جديدة، ومعمار جديد وأزياء وتفاصيل جديدة، لا يعرفها الحي الشعبي، ومن ثم بدأت الحركة بين القاهرتين تزداد، وزاد الأمر حركة اختراع وسائل المواصلات والنقل الحديثة، بدل العربة الكارو والحنطور والخيول والحمير. وتحولت الأحياء الشعبية إلى مصدر لإنتاج المهن المختلفة وتصديرها للقاهرة الجديدة. بينما ظلت الجيزة موردة الطعام لأنها تملك (مع النيل) مناطق الزراعة والبساتين والحدائق.
ولو تخيلنا القاهرة في حركتها لوجدنا معمارها الأول قد حكم حركة الحياة فيها، حتى بعد الامتدادات الحديثة. إذ ظلت أبواب القاهرة موجودة بالفعل كعمارة (فيما هو قائم بالفعل ولم يتعرض للهدم والعدوان) وظلت أسماء أبواب أخرى موجودة رغم أنها تهدمت ثم أزيلت من الواقع. فبينما تبقي باب النصر، وباب الفتوح. وباب زويلة، وبوابة المتولي، بقاءً معماريًا. اختفت أبواب: البحر والخلق وباب الشعرية. وبالتالي سمح هدمها بامتداد عمراني غيرو به القاهرة. كما أن بناء الجامع الأنور لدى بوابة الفتوح، والأزهر لدى نهاية الطريق قد خلق حياة علمية ودينية متماسكة بين سكان القاهرة وما تبع الجامعين من الكتاتيب ثم المدارس، والمساجد.
لهذا ـ أيضًا ـ تركزت الأسواق، وهي لعرض متوحات المهنى أو البضائع المتخصصة، وتركزت مناطق المهن داخل القاهرة حتى الآن. فبينما نجد النحاسين والعطارين والصاغة والفحامين والجدارية نجد سوق الليمون وسوق السلاح وسوق العصر.. الخ لبيع متوجات الورش والمصانع الأهلية الصغيرة.
وبالتالي أصبحت هذه المناطق الشعبية مناطق جذب فيما بعد، للتجار والعلماء والسائحين في وقت واحد. ولو تتبعنا أسماء المناطق المجاورة للجامع الأنور مثلاً لوجدنا الحسينية وللجامع الأزهر لوجدنا الباطنية وهي امتدادات تشي بالتأثير الفاطمي وإن كان يسكنها السنة.
وكان لابد من معرفة كل شيء عن الحارة أو الحي فظهرت الشياخة وظهر شيخ الحارة، الذي استمر حتى وقت قريب في التنظيم الإداري المصري مثله مثل العمدة في القرى والنجوع.
ويوزع نجيب محفوظ عناوين بين: عناوين مكانية، وعناوين زمانية وعناوين مجردة فلسفية. ويدل هذا على ذهنية واضحة لنجيب محفوظ، يصنف من خلالها، عمله ضمن منظومة يعرفها مسبقًا. ولقد آثر أن يعطى المكان المكانة الأولى، مما يعطي العناوين المكانية إمكانية التسجيل الواقعي للأماكن، وتوثيقها، حتى إذا زالت، فلا نجدها خارج مؤلفات نجيب محفوظ لأنه ينقل المكان وما عليه من بشر وعلاقات ناتجة من تفاعل البشر مع المكان.
ولهذا وجدنا أسماء أماكن مهمة تصور القاهرة المحفوظية مثل: بين القصرين، قصر الشوق، السكرية، زقاق المدق، خان الخليلي، قشتمر، الكرنك، ثم نرى أسماء ترتبط بالزمان مثل: السمان والخريف، بداية ونهاية، عصر الحب، ليالي ألف ليلة، الباقي من الزمن ساعة، عصر الحب،حديث الصباح والمساء، يوم قتل الزعيم، قلب الليل.
ثم نجد أسماء باسم شخصيات مثل: رادوبيس، العائش في الحقيقة، ميرامار، ابن فطوطة، ثم نجد أسماء للأعلام الأخرى مثل الحرافيش، أولاد حارتنا، حضرة المحترم، اللص والكلام، المرايا، القاهرة الجديدة.
ثم نجد عناوين تجريدية مثل أفراح القبة، كفاح طيبة، عبث الأقدار، السراب، ثرثرة فوق النيل، الطريق، حكايات حارتنا.
وهذه العناوين التي تتكون من كلمة واحدة تحمل تكثيفًا دلاليًا واضحًا، ويجعل الدلالة واسعة، ولا تقف الدلالة عند اسم المكان أو الزمان أو الشخص أو العلم أو ماذا يعني هذا الشخص؟ كما في عناوين: رادوبيس، ميرامار، قشتمر، الكرنك، السراب، الشحاذ، المرايا، الطريق، الحرافيش، وكلها دلالات مكثفة وفلسفية، تثير الأسئلة أكثر مما تعطي من دلالات.
والعناوين التي استخدمها من كلمتين، دارت معظمها على الإضافة، أو العطف. والإضافة لديه عبارة عن مضاف ومضاف إليه أو ظرف ومضاف إليه مثل: كفاح طيبة، عبث الأقدار، قصر الشوق (قصر الشوك)، خان الخليلي، قلب الليل، زقاق المدق، أفراح القبة، حكايات حارتنا، أولاد حارتنا، عصر الحب، حضرة المتهم، ابن فطومة، ثم نجد العناوين ثنائية الكلمة القائمة على العطف بالواو كما في: السمان والخريف، بداية ونهاية، اللص والكلاب.
ثم تأتي عناوين تقوم على الإضافة لكنها ثلاثية الكلمات كما في روايات: العائش في الحقيقة، الحب تحت المطر، ليالي ألف ليلة، حديث الصباح والمساء، يوم قتل الزعيم بينما يقف عنوان واحد من أربع كلمات هو: الباقي من الزمن ساعة أما تحت ساق العرش فهي من الكتابات النثرية غير الروائية إلا إذا اعتبرنا فصولها تستكمل بعضها البعض.
والعناوين لدى نجيب محفوظ مدخل مهم للنص السردي الروائي. لأنه يشير للمتلقي إلى زاوية الرؤية للنص من حيث التركيز على المكان، أو الزمان أو المعاني المجردة أو الأعلام. ويعطى العنوان مستوى رمزي يساعد في فهم رسالة الكاتب للمتلقي. وقد أفادت العناوين التنفيذ السينمائي جدًا، فقد ساعدته على اكتشاف مناطق في جغرافيا القاهرة وزمانية القاهرة.
كما أشارت العناوين إلى أماكن خاصة مثل المقهى، وأبانت عن مستويات بشرية دالة مثل اللص والحرفوش والشحاذ، وحضرة المحترم الأمر الذي يكشف عن ثنائية اجتماعية متداخلة بين السادة والحرافيش، ثم بين اللص والكلاب، والسمان والخريف.
(5)
ويتحرك نجيب محفوظ حركة مكوكية ـ في مجمل أعماله ـ بين الماضي ـ البعيد أو القريب ـ وبين الواقع المعيش ـ فهو من ناحية يعود لمصر القديمة ثم مصر الحديثة. لكنه ـ بعد أن يسجل ما يراه ـ يعود للواقع وتفصيلاته كما في الثلاثية، وزقاق المدق، واللص والكلاب وميرامار وغيرها.
ويعود للسيرة الذاتية من خلال التركيز على جغرافيا المكان ـ من الخارج والداخل ـ وما شاهده منذ طفولته من أحداث يرسمها بدقة، وكأه يوثق ما رأه، فيما يعيشه الآن.
وقد أفضت به السيرة الذاتية في نهاية حياته، إلى أصداء السيرة الذاتية، وأحلام فترة النقاهة. وكان قد أسس رؤيته النفسية من قبل في الشحاذ والسراب وقلب الليل وغيرها.
وهذا ما جعله يتأرجح بين رؤيته لمصر القديمة ومصر الحديثة ثم القاهرة القديمة والقاهرة الجديدة إنه يتحرك بين ثورتين (1919 م – 1952م) وقد حكما رؤيته السياسية والاجتماعية لمصر خلال عهود عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك الذي نال في عهده جائزة نوبل في الآداب.
ولا ننسي أن شوقه لمصر القديمة قد ألقى بظلاله على العائش في الحقيقة وتحت ساق العرش، وأولاد حارتنا، والحرافيش وغيرها. وهو – في كل كتابة ـ صاحب رؤية نقدية شاملة للقرن العشرين ولما تبقي من ثورة (19) في ثورة (52).
لقد حلل حياة الأسرة المصرية في كل أحوالها وحلل نفس الشخصية المصرية من خلال كل العهود. ورصد التغيرات الاجتماعية والاقتصادية ـ بخاصة ـ في زمن ثورة يوليد، في حين اكتفي بنقد الحياة المصري قبل وبعد ثورة (19) وبذلك حكى قصة الأجيال المصرية في المدينة وفي هوامش الحياة في المدينة.
ولذلك نستطيع أن تلحظ رؤية تنبؤية لحياة مصر من خلال رصده الدائم لكل جديد في حياة المصريين، وخاصة أحوالهم تحن الحكم الليبرالي في النصف الأول من القرن العشرين، ثم أحوالهم في ظل النظام الاشتراكي ثم تحت مظلة الانفتاح والتحول إلى اقتصاد السوق.
ولمح بعين واعية حركة المهمشين من الحرافيش وأولاد البلد الذين تسلقوا السلم الاجتماعي بسبب الطفرات الاقتصادية الناتجة عن الانفتاح واقتصاد السوق، وتضاؤل دور الطبقة المتوسطة، التي كان لها فضل الحياة الليبرالية ثم تحقيق الثورات، وفرق بين ثورة الطبقة المتوسطة وثورة المهمشين والحرافيش.
إن روايات نجيب محفوظ تمثل بانوراما القرن العشرين، برؤية فلسفية تشير لمواطن الخلل ومواطن القوة في الشخصية المصرية. وقد كتب وصاغ هذه البانوراما بالتدرج، ولم يترك المسكون عنه. ووازن بين المقدس والدنس في حياة المصريين، وكشف ـ بذلك ـ عن ثنائية الواقع والكون التاريخي للشعب المصري. وتم ذلك في سياقات مختلفة ومتعددة مثل المصور الذي يأخذ للمنظر الواحد عدة صور من زوايا مختلفة، تستجمع ـ في النهاية ـ الصورة العامة للمنظر.
ولقد شار في رواياته لمكونات مصرية كالصبر، والتكافل، وسطوة الموروث، والموقف من الغريب والأجنبي. إنها فلسفة الشخصية المصرية ذات البنية الحضارية المهمة التي تبدت في العمارة والمهن الشعبية والأعمال العلمية والعملية. الأمر الذي جعله يشير إلى دور العبادة، ودور العلم، ودور المال.
ترجم نجيب محفوظ ـ هذه البانوراما ـ في لغة تمثل القرن العشرين، وتتوزع مستوياتها حسب الشخصية وسياق الحوار والوصف. مما جعل للغته مجالاً للتأويل والتفسير من خلال المناهج النقدية المتعددة، خاصة النفسية والاجتماعية والسردية واللغوية.
ودلت أعماله الروائية بخاصة على وعي فني وقدرة خاصة على السرد والحكي والوصف وإدارة الحوار، ورسم المشهد.
ويلاحظ المتابع لمعاصري نجيب محفوظ من الكتاب السرديين، أنهم يبعدون عن مناطق شيخ الحارة نجيب محفوظ إذ يتجه الواقعيون والرومانتيكيون إلى حي السيدة زينب (يحي حقي ـ محمد جلال ـ يوسف السباعي) بينما توجه إسماعيل ولي الدين إلى مناطق بعيدة عن حدود الجمالية في حمام الملاطيلي، وحمص أخضر، بينما ذهب يوسف إدريس مرة واحدة إلى حي الباطنية في قصته الطويلة (قاع المدينة).
وبذلك نلاحظ خطًا وهميًا يبتعد عنه الكتاب وكأن شيخ الحارة يغار على حارته، ويبعد عنها الآخرين.
لكنه يشارك كتابًا كثيرين في الإسكندرية والأقصر حيث شاركت الإسكندرية في عدة روايات ودخل إليها كتاب بلا عدد. أما طيبة والصعيد، فقد شد انتباه محفوظ في بدايات عمره كرد فعل للتمسك بالتاريخ في مواجهة المحتل، وإبراز الهوية الوطنية في أيام انتصاراتها. وسرعان ما تراجع محفوظ عن المكان البعيد وأثر المكان القريب الموجود أمام عينيه ليل نهار، وتختزن – منه – ذاكرته مشاهد وحوادث وشخوص يعرفها بدقة ووضوح، وهي لا تزال صالحة للدخول إلى عالم نجيب محفوظ لأن شخصيات التاريخ تشعر محفوظ ببعد زمني ومكاني لا يمكنه من الانصهار معها أو مع تاريخها بينما يعيش هو في القاهرة حياته الخاصة والعامة.
ولما عاد للتاريخ المصري عاد في شكل كتابات فلسفية سياسية، لا يهم فيها المكان، لأنها في كمان فلسفية سياسية لحكام مصر. والسؤال هنا لماذا ابتعد الآخرون عن سور حي الجمالية، بعد أن تناوله نجيب محفوظ ؟ ولماذا هجر محفوظ التاريخ القديم بسرعة، وعاد للواقع؟!

هوامش:
1 ـ ابن عبد المنعم الحميرى، "الروض المعطار"، ص 76.
2 ـ المقري التلمساني، " نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب " نقلا عن "الموسوعة الشعرية"، المجمع الثقافى بالإمارات.
3 ـ "نفح الطيب"، مرجع سابق.
4 ـ "الموسوعة الشعرية"، المجمع الثقافى بالإمارات.
5 ـ ابن تغرى بردى، "النجوم الزاهرة"، ص 76.

_________________


---------------الدكتور بيومي الشيمي---------------
avatar
الدكتور بيومي الشيمي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 1356
العمر : 66
العمل : الشعر الفصيح - النقد الأدبي
الأوسمة الأوسمة : 4
نقاط : 7355
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى