فرسان الفجر
أيها الفارس يامن حللت بين أهلك وعشيرتك في دار فرسان الفجر العربي مرحبا بك في دارك عضوا يضفي بمساهماته بريقا يتلألأ في ضوء الفجر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الحلو متكبر للشاعر نادر الأسيوطي
الإثنين 25 يناير 2016, 3:01 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» ديوانُ شعري أنوارٌ بمشكاة
السبت 07 نوفمبر 2015, 8:43 pm من طرف زاهية بنت البحر

» شاكر بوعلاقي اعود الى ماضينا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015, 4:20 pm من طرف خوري ليليا

» غرف نوم وغرف اطفال ومطابخ وانتيكات
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 9:45 am من طرف احمد عطية

» راجعين نادر الأسيوطي
الثلاثاء 18 مارس 2014, 4:57 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» البوم صور شاكر بوعلاقي
الثلاثاء 04 مارس 2014, 6:00 pm من طرف شاكر بوعلاقي

» محكمة
الخميس 13 فبراير 2014, 6:21 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» صلوا علي الحبيب المصطفي
الخميس 26 ديسمبر 2013, 7:08 pm من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده
الإثنين 02 ديسمبر 2013, 8:48 pm من طرف انا فيروز

» دقــــــــولــــهــــا الــــهــــون
الخميس 09 أغسطس 2012, 8:23 pm من طرف عامر عبدالسلام

التبادل الاعلاني

الجزء الرابع من كتاب الدراسات للمؤتمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء الرابع من كتاب الدراسات للمؤتمر

مُساهمة من طرف الدكتور بيومي الشيمي في الأربعاء 05 مايو 2010, 3:59 pm

رواية القاهرة / قاهرة الرواية
(قراءة أولية )
د.مصطفى الضبع


للمرة الثالثة أجدنى مطالبا بقراءة المشهد، مشهد القاهرة عبر الرواية، فى المرة الأولى كانت القاهرة بوصفها المدينة "المحكى فيها، المحكى عنها "([i])، وفى الثانية كان المقهى القاهرى مدارا لقراءة المشهد عبر فضاء قاهرى مميز([ii])، وقد قيض لهذه القراءة أن تتميز بمساحة من حرية المساحة مالم يتوافر لسابقتها أو للاحقتها حيث قيدت القراءتان الأخريان بكونهما ضمن أعمال مؤتمرين( وأعمال المؤتمر دائما محكومة بمساحة محددة لكتاب الأبحاث يكون تجاوزها من الخطايا السبع التى يرتكبها الباحثون ) .

كان لهذه العودة أن تكون استمرارا لواحدة من القراءتين السابقتين ولكن اتساع المساحة (مساحة حضور القاهرة فى الرواية العربية ) وتعدد الزوايا ( زوايا رؤية الرواية للقاهرة ) خلق مساحة تمثل زاوية مغايرة لها أن تنضاف إلى سابقتيها لتخلق امتدادا ولها أن تستقل لتشكل خطا جديدا .

القاهرة والرواية تشكلان علاقة من نوع خاص ،علاقة تبدو احتضانية- بداية- يقوم فيها كل طرف بأداء دور تجاه الآخر فقد احتضنت القاهرة نشأة الرواية([1]) والرواية بدورها _وعلى اختلاف مسارح أحداثها- تداخلت مع القاهرة بصور مختلفة للدرجة التى شكلت فيها القاهرة ما يمكن أن يسمى – مجازا – بالنوع الروائى الخاص، ذلك النوع الذى كانت فيه القاهرة مساحة تستأثر بفضاء عدد يصعب الإحاطة به من الروايات المصرية والعربية، فقد شغلت القاهرة مكانا وزمانا وأحداثا وشخصيات معظم الروائيين العرب، واستأثرت أحداث معينة مرت بها القاهرة باهتمام الكتاب ،( نشير هنا إلى حريق القاهرة مثلا الذى استلهمته روايات لنجيب محفوظ وجميل عطية إبراهيم ولطيفة الزيات ) وهو ما شغل بدوره نقاد الأدب ودارسى الرواية ( [iii] ).

تنطلق القراءة الراهنة من بديهيات تمثل مسلمات أولية يمكن تمثلها فى مسلمتين أساسيتين :

1- المساحة التى تمثل حضور القاهرة فى الرواية والتى تشكل إضافة القاهرة للرواية أوسع من أن يحاط بها عبر ورقة واحدة فى مؤتمر واحد، وعبر تاريخها الممتد كانت القاهرة فضاء روائيا تناولته الأقلام الساردة بالكتابة عنه أو بالكتابة به أو بالكتابة فيه ( وهى زوايا من الأهمية بمكان طرحها عبر مساحات التداخل وتقنيات الطرح ) تلك المساحة التى يمكن الاصطلاح عليها إجرائيا برواية القاهرة حيث خصوصية الطرح تمثل فعل الرواية فى القاهرة، ومساحات الحضور القاهرى الذى يمكن بلورته عبر سؤال : كيف شكلت الرواية صورة للقاهرة، وكيف استثمرت الرواية طاقات المكان فى تشكيل صورة فنية؟.

2- أن قاهرة الرواية ومسحات تشكل القاهرة عبر الرواية ذلك الممثل لفعل القاهرة فى الرواية، ذلك الذى يمكن بلورته عبر سؤال: بوصفها شخصية فنية، وموضوعا سرديا، ماذا أضافت القاهرة للرواية ؟ وكيف بدت صورة القاهرة عبر الرواية بما أضافته من رموز وما أنتجته من دلالات.

عبر حركتها المتقدمة تاريخيا (ويمكن طرح الأمر نفسه على المستوى الفنى ) استلهمت الرواية المصرية أولا والعربية ثانيا، القاهرة بوصفها فضاء له أبعاده الدلالية المتعددة التى لا تقف عند البعد التاريخى ولا تتوقف عند البعد الاجتماعى والفنى، ويمكن لمن يسعى إلى تقسيم الرواية العربية حسب موضوعها أو حسب فضاءاتها إلى رواية ذات بعد ريفى وآخر ذات بعد حضرى، رواية ذات بعد شعبى (كما فى أعمال نجيب محفوظ ) ورواية ذات بعد يميل إلى مقاربة الأوساط الاجتماعية الواقفة فى الجانب المقابل، كأن تضع مثلا روايات إحسان عبد القدوس فى مقابل روايات نجيب محفوظ بوصفهما نمطين كان لهما تأثيرهما فيما تلاهما من أنماط .

القاهرة المدينة النمط

لقد خلقت القاهرة نمطها الروائى محدد الملامح، ذلك النمط المؤثر بصورة ما فى سياق الرواية العربية، وإجرائيا يمكن تعريف النمط بأنه الخط الفكرى الذى يبدأ عند روائى ما ممتدا عند الآخرين، بحيث يبدأ من منطقة محددة ولا يتوقف عند أخرى، وقد تبدأ إرهاصاته عند كاتب وتتأسس خطوطه وتتبلور معالمه عند آخر، دون قصد الإشارة إلى التأثير والتأثير أو أن كاتبا تنكب خطوات سابقه أو معاصره، وإنما هى مجموعة من الأفكار التى تعبر عن نفسها من خلال الرواية ( ربما دون النظر لكاتبها فالقاهرة بوصفها كيانا تاريخيا واجتماعيا وحضاريا تحقق حضورها عبر عدد لا حصر له من الأعمال كاشفة عن تأثيرها على عدد لا حصر له من الروائيين )، النمط صيغة غير متكررة بالمعنى الفكرى والدلالى، متداولة بالمعنى الموضوعاتى، يطرح النمط نفسه عبر رواية آخذا شكل التيمة وإطار الصورة التى تأتى تفاصيلها مغايرة لإطارها وإن تكرر، النمط حالة من الكتابة تتلبس كاتبها لتعبر عن نفسها عبر أدوات تبدو متشابهة ولكنها فى عمقها الدلالى متجددة المعنى والرمز، فإذا كانت القاهرة الشعبية نمطا متداولا فإنه لم يكن صيغة جامدة تطرح نفسها عبر عدد من الروايات، تمتد زمنيا لتطرح مقولاتها عبر إطار شعبى تتداوله الأقلام دون أن نقصد الإشارة إلى استلهام اللاحق من هذه الأقلام لسابقه وإنما يستلهم الجميع الموضوع الأول ( القاهرة )، وإذا كان نجيب محفوظ خالقا نمط القاهرة الشعبية فإن من جاء من بعده لم يستلهم تجربة محفوظ بقدر ما استلهم وجوها أخرى للجانب الشعبى فى القاهرة متعددة الوجوه ( [iv] ).

عبر عدد من الروائيين أو عدد من الروايات تشكلت مجموعة من الأنماط واضحة المعالم، يمكن بلورتها فيما يلى :

1- نمط يحيى حقى : قنديل أم هاشم – دار المعارف – القاهرة 1944، وهو نمط القاهرة الشعبية، ذلك الراسم حدودا شعبية لمدينة تتأطر تخومها عبر الحى الشعبى فى علاقته بالمنتمين إليه من جهة، وفى علاقته بالأحياء الأخرى والمنتمين إليها من جهة أخرى، وهو النمط الذى توالت النصوص الطارحة له والمؤكدة عليه ويكاد يكون النمط الأوسع لرواية القاهرة، والنمط الأكثر تداولا، والأشهر أيضا عبر كتابات نجيب محفوظ الذى منح الحى الشعبى أبعادا متميزة ومتمايزة فى الوقت نفسه، ومن الأعمال التى شكلت هذا النمط :

- نجيب محفوظ :القاهرة الجديدة 1945،خان الخليلى 1946، زقاق المدق 1947،بين القصرين 1956، السكرية1957،قصر الشوق1957 .

- سمير ندا : الشفق – دار الفكر الحديث للطبع والنشر – القاهرة 1967.

- إبراهيم أصلان : مالك الحزين- مطبوعات القاهرة – القاهرة 1983.

- __________ عصافير النيل – دار الآداب – بيروت 1999.

- السيد نجم : أيام يوسف المنسى – نصوص 90- القاهرة 1990.

- ________:العتبات الضيقة - الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2001 .

- ________: الروح وماشجاها- الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2008 .

- خيرى عبد الجواد : كتاب التوهمات - الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 1992.

- _____: مسالك الأحبة – مركز الحضارة العربية – القاهرة 1997.

- ______: كيد النسا – دار الآداب – بيروت 2006 .

- خليل الجيزاوى : مواقيت الصمت - الدار العربية للعلوم - بيروت 2007.

2- نمط خيرى شلبى وقد نحت مجالا لعبقرية الأمكنة القاهرة قبل زوالها، ورصدت رواياته المتوالية عبقرية القاهرة عبر مواقعها المهمشة وبشرها العشوائيين (التبديل بين الصفات مقصود ) وفى هذا النطاق كانت روايات خيرى شلبى :

- أولنا ولد – دار الهلال – القاهرة – 1990.

- وثانينا الكومى – دار الهلال – القاهرة 1993.

- وثالثنا الورق – دار الهلال – القاهرة 1995.

- صالح هيصة – دار الهلال – القاهرة 2000.

وفى النطاق نفسه تأتى أعمال أخرى :

- سعيد نوح : دائما ما أدعو الموتى – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة 2002.

- ______: 61 شارع زين الدين – روايات الهلال – القاهرة 2007 .

3- نمط إحسان عبد القدوس : نمط قاهرة القصور، والمستوى الاقتصادى المتجاوز ويكاد إحسان عبد القدوس ينفرد بهذا النمط عبر توسيعه هذه الرؤية فى عدد من أعماله الروائية .

4- نمط سعد مكاوى :السائرون نياما – الجمهورية – القاهرة 1965، نمط التاريخ ممررا عبر مدينة تقف عملية السرد فى منطقة بينية : بين الارتحال للتاريخ، والعودة منه :

- جمال الغيطانى : الزينى بركات – وزارة الثقافة السورية – دمشق 1974.

· النمط المفتوح : نمط يجمع بين عدد من الأنماط السابقة، ويطرح نمطا يميل إلى التسجيلية المقصودة لغيرها، فالتفاصيل السردية لا تتغيا مجرد الرصد مع ما يمنحه من دلالة، وإنما تسعى لتشكيل صورة لها دلالاتها المفتوحة التى قد تنبنى على الرمز وتتوقف على قدرة السارد على إنتاج طاقة رمزية تشكل مدارا للنص، وإذا كانت الأنماط السابقة تتوازى زمنيا أحيانا فإن هذا النمط ينزاح زمنيا ليكون فى مرحلة لا تتوازى تماما بقدر ما تكاد تكون مستقلة حد الانفصال، تكشف عن مرحلة سابقة كان الكتاب فيها يكتبون عن القاهرة أكثر مما يكتبون بها، وهو ما يشكل تحولا لدى كتاب هذا النمط حيث القاهرة أصبحت محطا للكتابة بها محولين عملية استلهام القاهرة من موضوع إلى تقنية

- سيد الوكيل : فوق الحياة قليلا – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1997.

- ياسر عبد اللطيف : قانون الوراثة - دار ميريت – القاهرة 2002.

- شحاتة العريان : دكة خشبية تتسع لاثنين بالكاد – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة .

- _____: صاحبات الآخرين – دار ميريت – القاهرة 2005.

- علاء الأسوانى : عمارة يعقوبيان - ميريت للنشر والمعلومات – القاهرة 2002

- محمد غزلان : أول القصيدة ... بسيطة – دار أكتب للنشر والتوزيع – القاهرة 2008.

قاهرة الإنسان

عبر مراحل العلاقة بين القاهرة والرواية لعبت القاهرة عددا من الأدوار التاريخية والإنسانية والاجتماعية كانت فيها المدينة المستقطبة، الجاذبة لهؤلاء الباحثين عن الأضواء، والمحتضنة لهؤلاء الباحثين عما افتقدوه من معانى الإنسانية، فقطعوا رحلة من المدن والقرى المصرية القريبة فى الدلتا، أو البعيدة فى الصعيد تجدهم فى روايات محمد عبد الحليم عبد الله، و خيرى شلبى، وتوفيق الحكيم، ويحى حقى، وسعد مكاوى، وجميل عطية إبراهيم، وبهاء طاهر وجمال الغيطانى ، وغيرهم ممن جذبت القاهرة أبطالهم، وهو ما ينطبق على روائيين عرب أيضا، طرحت أعمالهم المنظور نفسه منها أعمال غالب هلسا، ومحمد برادة، وغازى القصيبى، وصبحى فحماوى، وغيرهم .

إنسان القاهرة

وهو ذلك الإنسان القاهرى ممررا عبر الرواية التى شكلت ملامحه عبر منظورها، وأعدته ليكون نموذجا للذات القاهرية، التى تتبلور فى نوعين أساسيين :

- الشخصيات فى حضورها القاهرى، وملامحها المختزلة من حضور القاهرة ذاتها، تلك الشخصيات التى لا تجدها فى غير القاهرة، وتكون علامة على مدينة لها كل هذا الحضور الروائى، ويمكنك هنا أن تتذكر أحمد عاكف، أو السيد أحمد عبد الجواد، أو كامل رؤبة لاظ، أو زيطة، أو المعلم كرشة من أبطال نجيب محفوظ، وأن تتذكر غيرهم من أبطال كتاب الرواية العربية الذين استلهموا القاهرة فألهمتهم بحق .

- السارد فى حضوره الكاشف عن مساحات معرفته، ومن ثم مساحات حركته وقدرته على تقديم عالم المدينة فى حضوره الفذ، وهو ما ينعكس بالضرورة على النوع السابق، والرواية عندما تقارب مكانا له حضوره التاريخى فإنها تطرح ثلاثة أنواع من الساردين تفرضهم طبيعة الفضاء النصى :

- السارد المقيم : وهو ذلك المنتمى للقاهرة بالمولد أو الإقامة الطويلة وفى الغالب يكون مصريا له ارتباط بالقاهرة قبل أن يقيم فيها، إذ تكون القاهرة هدفا يسعى إليه، وهو ما ينطبق على الكتاب المصريين من خارج القاهرة وهو ما يتجلى فى أعمال نجيب محفوظ، ويحيى حقى، وخيرى شلبى، وسعد مكاوى، وأمين ريان ،وسمير ندا، وإبراهيم أصلان وسيد الوكيل، وسعيد نوح .

- السارد العائد : وهو ابن القاهرة المسافر طويلا أو ذلك الذى عايش القاهرة مساحة طويلة من الزمن وغادرها زمنا ليعود إليها من جديد، وهو ما يتمثل فى كتابات بهاء طاهر، وجميل عطية إبراهيم، ومحمد برادة، .

- السارد الزائر: ذلك الذى يأخذ شكل الرحالة أحيانا، لديه استعداده للانبهار، ويكون فى معظم الحالات واقفا فى منطقة المستكشف، المراقب ، لا يقترب من منطقة العمق التاريخى ويميل إلى مقاربة الرمزى أكثر مما يقترب من الاجتماعى والإنسانى، تطرح عليه المدينة أكثر مما يطرح هو عليها، وتستغرقه تفاصيل المستكشف، ومساحات الوعى باللحظة الزمنية التى يقاربها، وهو ما يتمثل فى السارد فى رواية " مثل صيف لن يتكرر " للمغربى محمد برادة عبر رصده للقاهرة بعيد وصوله إليها وحركة بطله " حماد فى فضائها .

فيما تنشغل الرواية بالقاهرة، وتتعدد مساحات الحضور القاهرى، تتشتت الرؤى وتتنوع، وربما فقدت المتابعة قدرتها على الاكتشاف، اكتشاف مساحات أخرى ضاقت عنها الرؤية، وهو ما يتجلى فى عدد من الروايات ذات الطرح المغاير، الطرح الذى يقدم تأثيرا له بعده النفسى على إنسان القاهرة، ومن أظهرهذه الأعمال رواية " القاهرة " لعلاء الديب ( [v] ) ولا نعنى بالطبع مجرد الإشارة إلى القاهرة الطارحة نفسها منذ العتبة الأولى ( العنوان )، وإنما لأن القاهرة تقف موقفها الخاص عبر النص، ذلك الموقف الذى يرسمه روائى يمتلك قدرا من الخبرة القبلية بالقاهرة بوصفها وجودا له حضوره المتعين، وهو ما تكشف عنه نصوص تستمد وجودها من القاهرة، قاهرة النص تلك المغايرة فى وجودها الدلالى للقاهرة قبل النص .

تبدأ رواية "القاهرة " من منطقة لها عمقها التاريخى، ولها سماتها المكانية، منطقة باب اللوق : " شوارع المنطقة المحيطة بباب اللوق خالية، مبانى الحكومة على الجانبين مغلقة ونوافذها ذات القضبان الحديدية كبيرة وعالية، على جانبى الشوارع أشجار متباعدة ومنسقة فى عناية، صوت القطار السريع الداوى يقطع صمت المكان للحظات ولكنه لا يوقظ فيه شيئا، فيمضى تاركا الجو الغريب الساكن يسقط على المكان مرة أخرى"( [vi] ) ومع هذه الإطلالة على المدينة يبدأ السارد فى تقديم ما يشبه البطاقة للمدينة عبر عدد من النقاط شبه المركزية فى سياق هذا التقديم (مكتبه فى المتحف الزراعى بالدقى – شوارع باب اللوق – الدور السادس من العمارة القديمة فى الشارع المطل على السكة الحديد – البار القديم فى الشارع الجانبى – غرفة المكتب فى المتحف الزراعى – غرفة الحجز فى قسم البوليس – المحكمة ) راسمة صورة محددة الملامح، حاسمة الدلالات لحياة فتحى ( الاسم نفسه مفتوح الدلالة بما يوحى بعموميته ،ولم يحمل النص إشارة لتخصيصه بذكر بقية الاسم مثلا، والأسماء كلها فى الرواية فردية " فتحى – فتحية – أحمد – عقيلة" تقف مدافعة عن فرديتها أو عن خصوصيتها التى تكاد تنتهك، وهو ما يتجلى فى رفض فتحى لأن يكون له ولد مما يجعله يقدم على التخلص من عقيلة بعد الزواج منها ).

يتخلى السارد عن دور البطولة بمعناه التقليدى لصالح دور الراصد للمدينة فى تأثيرها على المنتمى إليها، وهو ما يطرح إشكالية العلاقة بالقاهرة من منظور روائى يشير إلى صنفين من البشر، صنف وجد نفسه فى القاهرة بعد انتمائه إليها (كما فى ثلاثية خيرى شلبى على سبيل المثال ) وصنف أفقدته القاهرة القدرة على التصالح مع النفس أو التكيف مع الآخرين .

وقد لعب السارد بالأضواء والظلال مشكلا مجالا حيويا لاكتشاف النفس والتعبير عن إسقاطاتها :" كانت الشمس فى الخارج قد مالت نهائيا واختفت وراء أسطح العمارات وامتلأ الأفق بضوء أحمر باهت كأنه قديس يحتضر " ( [vii] )، و"كانت أعمدة النور تلقى أمامه بظله ثم تسحبه " ( [viii])، و" النور الوحيد فى الحجرة يضئ جانبا من المخدة " ( [ix] )، وتعتمد الرواية على كثير من مفردات معجم الضوء والظلال كاشفة عن هذا الجانب النفسى لدى البطل " فتحى "، وهو نموذج ليس وقفا على هذا النص، وإنما تجده فى عدد من الروايات، منها " قانون الوراثة " لياسر عبد اللطيف :" الظلا وامتدادها على الحوائط الوردية، وكيف كنت أضاهى بين ازدياد مساحتها واقتراب ساعة الانصراف، حيث سيقف رجل الجرس ليقرعه فى الحديقة الصغيرة بين الفناءين وحيث بإمكانى أن أجد أمى بانتظارى على باب الخروج " ( [x]) .






[1]على اعتبارين:أولهما أن من يرى (زينب)الرواية الأولى فإنها وإن كتبت فى فرنسا فإنها نشرت وقرأت وعرفت فى القاهرة : وثانيهما أن من يرى البداية غير ذلك(عذراء دنشواى لمحمود طاهر حقى أو القصاص حياة للبوقرقاصى أو الفتى الريفى لمحمود خيرت) فيكون للقاهرة فضل الاحتضان وإن كان مسرح الأحداث فى هذه الأعمال خارج العاصمة ( عذراء دنشواى فى الدلتا والقصاص حياة والفتى الريفى فى الصعيد ) .




[i] - راجع الدراسة بهذا العنوان ضمن أعمال المؤتمر الثانى لأدباء القاهرة ( القاهرة عبر الرواية ) – فرع ثقافة القاهرة – القاهرة 2000.

[ii]- المقهى فى الرواية العربية – وجهات نظر-العدد 18 – يوليو 2000 .

[iii] - فاطمة موسى : حريق القاهرة فى الرواية المصرية المعاصرة - مجلة الكاتب – القاهرة 2/1967.

[iv] - منذ سنوات شهدت حوارا جدليا بين صديقين عربيين يأخذ اللاحق منهما على القاهرة بعض سلبياتها، ويرى السابق منهما الممتلك لخبرة ما بالقاهرة أن القاهرة مدينة متعددة الوجوه يرى فيها القديس قديسة ويرى فيها الباحث عن اللهو غانية، ويرى فيها العالم منارة جامعة للعلم، ويرى فيها اليتيم وجها من وجوه الحنان والعطف.

[v] - علاء الديب : 6 روايات قصيرة – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة 2003، والروايات هى : القاهرة – زهر الليمون – أيام وردية – أطفال بلا دموع – قمر على المستنقع – عيون البنفسج .

[vi] - السابق ص 13.

[vii] - السابق ص 24.

[viii] - السابق ص 32.

[ix] - السابق ص 34.

[x] - ياسر عبد اللطيف : قانون الوراثة – دار ميريت – القاهرة 2002، ص 26.

_________________


---------------الدكتور بيومي الشيمي---------------
avatar
الدكتور بيومي الشيمي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 1356
العمر : 66
العمل : الشعر الفصيح - النقد الأدبي
الأوسمة الأوسمة : 4
نقاط : 7355
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى