فرسان الفجر
أيها الفارس يامن حللت بين أهلك وعشيرتك في دار فرسان الفجر العربي مرحبا بك في دارك عضوا يضفي بمساهماته بريقا يتلألأ في ضوء الفجر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الحلو متكبر للشاعر نادر الأسيوطي
الإثنين 25 يناير 2016, 3:01 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» ديوانُ شعري أنوارٌ بمشكاة
السبت 07 نوفمبر 2015, 8:43 pm من طرف زاهية بنت البحر

» شاكر بوعلاقي اعود الى ماضينا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015, 4:20 pm من طرف خوري ليليا

» غرف نوم وغرف اطفال ومطابخ وانتيكات
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 9:45 am من طرف احمد عطية

» راجعين نادر الأسيوطي
الثلاثاء 18 مارس 2014, 4:57 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» البوم صور شاكر بوعلاقي
الثلاثاء 04 مارس 2014, 6:00 pm من طرف شاكر بوعلاقي

» محكمة
الخميس 13 فبراير 2014, 6:21 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» صلوا علي الحبيب المصطفي
الخميس 26 ديسمبر 2013, 7:08 pm من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده
الإثنين 02 ديسمبر 2013, 8:48 pm من طرف انا فيروز

» دقــــــــولــــهــــا الــــهــــون
الخميس 09 أغسطس 2012, 8:23 pm من طرف عامر عبدالسلام

التبادل الاعلاني

الجزء السادس من كتاب الدراسات للمؤتمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء السادس من كتاب الدراسات للمؤتمر

مُساهمة من طرف الدكتور بيومي الشيمي في الأربعاء 05 مايو 2010, 4:13 pm

القاهرة فى السينما
(صلاح ابو سيف نموذجاً)
أ.عبد الغنى داود


ولد صلاح أبو سيف فى قلب مدينة القاهرة فى 10مايو عام 1915، وتوفى بالقاهرة فى 22 يونيو عام 1996 عن واحد وثمانين عاماً، فى حارة قساوات بحى بولاق أبو العلا الشعبى ـ على الضفة الشرقية للنيل، وبولاق أصلها (بلاق) وتعنى ( لغة) (الأرض المنخفضة)، وعلى مدى هذا العمر المديد ظل صلاح أبو سيف يعيش فى هذا المكان الرائع الذى هو القاهرة أى ( البيت القديم ـ بيت الطفولة فى حارة قساوات ـ أى مكان الألفة، ومركز تكييف الخيال ) ـ كما يشير الفيلسوف ( جاستون باشلار ) فى كتابه الهام " جماليات المكان " ترجمة : غالب هلسا ـ بيروت 1984 ـ اذ يقول : " وعندما نبتعد عنه ـ أى المكان نظل دائما نستعيد ذكراه، ونسقط عليه الكثير من مظاهر الحياة المادية " ذلك الإحساس بالحماية والامن اللذين كان يوفرهما لنا البيت . فالبيت القديم هو الذى يركز الوجود داخل حدود تمنح الحماية ـ فإننا نعيش لحظات البيت من خلال الادراج والصناديق والخزائن التى يسميها (باشلار) ( بيت الاشياء ) أو العش الذى يبعث احساسنا بالبيت لانه يجعلنا ( نضع انفسنا فى أصل منيع الثقة بالعالم)، فهل كان العصفور يبنى عشه لو لم يكن يملك غريزة الثقة بالعالم . فالبيت هو القوقعة التى تجسد انطواء الانسان داخل المكان، فى الزوايا والاركان ـ لأن فعل الانطواء ينتمى ظاهراتيا الى فعل (يسكن). وانطلاقا من تذكر بيت الطفولة بدأت رحلة صلاح أبو سيف مع السينما بعد أن نال دبلوم التجارة المتوسطة عام 1932، وبعدها بسنوات قليلة التحق بأستديو مصر قسم المونتاج بترشيح من المخرج نيازى مصطفى، وعمل بهذا القسم كمونتير منذ عام 1937 حتى عام 1945، وقد سافر خلال هذه المدة الى باريس فى بعثة لدراسة السينما لمدة عام، وقام أيضا بعمل المونتاج لعدد من الافلام قبل اتجاهه الى الاخراج كما فى افلام ( قضية اليوم ) 1943، (غرام وانتقام)1944، (الحياة كفاح ) ( سيف الجلاد ) 1945 ـ وكان اول عمل قام باخراجه الفيلم التسجيلى ( المواصلات فى مصر) 1939، وهو موضوع يمثل أزمة ومشكلة حتى اليوم بعد ان ازداد الازدحام بالقاهرة على مدى السنوات ـ أما فيلمه المتميز "سيمفونية القاهرة "1941 فقد كتب له السيناريو وقام بالمونتاج، فهو يصور عادة القاهريين فى الشدو بأصواتهم فى حياتهم العملية على ايقاعات موسيقية، فالباعة المتجولون والذين فى الدكاكين المختلفة ينادون على بضائعهم بأصوات المطربين ـ حيث يرى الباحث التونسى خميس خياطى فى دراسته العلمية عن صلاح ابو سيف بالفرنسية أن هذا الفيلم شريط لم يكتمل كان يريد أن يثبت من خلاله أن الحياة القاهرية عبارة عن سيمفونية تتناغم فيها معاً مختلف الالحان (نداءات الباعة الجائلين، الضوضاء العادية وأصوات المؤذنين بغية الرد على الفكرة الشائعة فى الغرب حول تنافر الاصوات والضجيج فى المدن العربية) ـ فالفيلم عبارة عن أغنية للقاهرة بكل ما فيها من أصوات متنوعة الجمال تشكل سيمفونية مصرية ـ تتغنى بالمدينة العاصمة أم المدن جميعاً .. ذات التاريخ البعيد .. فكل حجر فيها مشبع بعبق الماضى وعرقه، وكل شبر منها يحمل بصمات الانسان، فهى حاضرة مصر، ومجمع الوادى والفرعين، وملتقى الصحراوين كأنما القطر كله على ميعاد فيه ـ كما يشير د. جمال حمدان فى كتابه ( القاهرة ) ـ هيئة الكتاب 1996 ـ والذى يقرر أن احد الدارسين الاجانب (و.ب.فيشر)يقول : "وإذا كان النيل يصب فى مصر فإن مصر برمتها تصب فى القاهرة كما يقرر د. جمال حمدان كشهادة للتاريخ: وقد نبالغ كثيراً اذا قلنا ان تاريخ مصر ليس الا تاريخ العاصمة (القاهرة )"، والمتصفح لتاريخ ( الجبرتى ) مثلا ومن قبله (السيوطى) أو (ابن اياس ) لا يمكن أن يخطىء هذا الاحساس. ونحن وعندما نراجع صورة القاهرة فى عيون صلاح ابو سيف من خلال أفلامه الروائية سنجد انطباق قول الشاعر الالمانى ( ريكاسه )على ما يكنه هذا المخرج الفنان ابن القاهرة لمدينته عندما يقول العالم كبير، ولكنه فى داخلنا عميق كالبحر حيث تجرى أحداث أكثر من نصف مجموع افلامه فى القاهرة الكبرى وفى وسط ثقافى اسلامى، حيث تدفع النظرة العامة الملقاة على هذه الافلام الى اعتبار (ابو سيف) مواطناً من سكان المدن يسجل تجربته فى الحياة وفى الواقع من منظور يحدده اطار حيه (أى حى بولاق ) .. إذ يقرر الباحث والناقد التونسى ( خميس خياطى ) فى دراسته للدكتوراة على ارضية سوسيولوجية بعنوان" صلاح ابو سيف...المخرج المصرى "أنه بوسعنا ان نزعم دون ان نسرف فى المغامرة، انه يمكن تسجيل التاريخ الاجتماعى لعاصمة مصر أو لبعض أحيائها من خلال أفلامه، قاهرى صميم مثل : الحمام الشعبى فى بولاق فى فيلم " لك يوم يا ظالم " 1950 والذى تكرر انتاجه بعنوان " المجرم " عام 1978 وفى احياء بولاق والزمالك فى فيلم " الاسطى حسن " 1952، وفى حى القلعة وحى العباسية فى " شباب امرأة " 1956 وفى حى شبرا والاحياء الشعبية الاخرى كدرب طياب وشارع كلوت بك فى فيلم " بداية ونهاية " 1960، وفى احدى الحارات القاهرية ومحاكمها فى فيلم " القضية 68 " 1968، وفى حى الجمالية والازهر والحسين فى فيلم " حمام الملاطيلى " 1972، وفى سوق روض الفرج العريق وحى روض الفرج فى فيلم " الفتوة " 1957، وفى حى السيدة زينب وأبو الريش وجنينة ياميش فى فيلم " السقا مات " 1977، وفى احدى العمارات الضخمة بوسط المدينة فى فيلم " بين السما والارض " 1959 والذى يجمع فى مصعده الكبير كافة الطبقات من سكان القاهرة وكذا الخروج الى الشوارع وملاعب كرة القدم، وفى الحوارى المجاورة لجامعة فؤاد الاول ( جامعة القاهرة ) كحى بين السرايات، والاحياء الشعبيبة الاخرى كحى القلعة، وكذا الاحياء الراقية بالقاهرة فى فيلم " القاهرة 30 " 1966، وكذلك الاجواء الشعبية والدخول فى ثنايا الطبقات الكادحة، وميدان السيدة زينب، وروح الحارة بالحى الشعبى فى فيلم " الكداب " 1975.

بدأ صلاح ابو سيف طريقه السينمائى مجرباً ومحاولا الاهتداء الى اسلوبه الحقيقى حيث تظل تجربته الاولى كمساعد مخرج لكمال سليم فى فيلم الحارة او " العزيمة " 1939 ماثلة امام عينيه كريادة للفيلم الواقعى، لكنه فى افلامه الخمسة الاولى لجأ الى الاقتباس من السينما الغربية فى فيلمى " دائما فى قلبى " 1946 و " المنتقم " 1947، والى التراث فى " مغامرات عنتر وعبلة " 1948، والى الهزلية المصرية فى " شارع البهلوان "و " الحب بهدلة "، والى رومانسيات الصحراء فى " الصقر " 1950 الى ان اهتدى اخيراً الى اسلوبه الاصيل فى فيلم "لك يوم يا ظالم " 1951 . وقد يلاحظ البعض ان افلام ابو سيف تعتمد على بنية وحيدة الى اقصى حد، فمسيرة الشخصية ( النمطية ) عند ابو سيف واحدة، أيا كان الوسط الذى تعيش فيه، وأيا كانت طبيعة المسار أو الفترة التاريخية أو تأثير التغيرات .. ويتألف هذا المسار بوجه عام من مراحل ثلاث تعبر عن اشكاليات ثلاث متكاملة ( لقمة العيش ـ الجنس _ المعرفة أو الحرية ) ومن هنا ينبع الطابع الطوباوى ومفاهيم البرجوازية الصغيرة لدى شخصياته . ولم تصبح تلك المراحل الثلاث واضحة الا ابتداءاً من عام 1950 مع بداية اخراجه لفيلم " لك يوم يا ظالم " المأخوذ عن رواية " تيريزرا كان " لآميل زولا وشاركه فى كتابه السيناريو نجيب محفوظ والذى يعد البداية الحقيقية لاتجاهه الواقعي المعروف بعد ذلك لصنع أفلام تقول شيئا. ويدور الفيلم حول الشاب منير الذى يتقرب من صديقه المريض والذى يحاول الايقاع بزوجته لكنها تصده، يصحب الشرير صديقه وزوجته فى نزهة على شاطىء النيل فيغرق الشرير صديقه فى النهر، ويقدم بعض الخدمات لأم المتوفى وأرملته، وينجح فى الزواج من الارملة الشابة ويستولى على مصاغها ويطمع فى سرقة خالتها أم الصديق المقتول صاحبة الحمام الشعبى .. لكن أمره ينكشف، ويطارده أهل الحى الشعبى ويموت غرقاً فى الماء المغلى لمغطس الحمام الشعبى .. وفى هذا الفيلم يوفق أبو سيف فى خلق الشخصيات والازمنة والامكنة وتحريك الاحداث فى مناخ الحمام الشعبى الذى كان منتشراً فى القاهرة انتشاراً كبيراً فى اغلب احيائها تقريباً فى الاربعينيات، بالاضافة الى شاطىء النيل من القاهرة والاماكن القاهرية الاخرى. وبعد عامين يقدم فيلم الاسطى حسن 1952 عن فكرة لفريد شوقى، وكتب السيناريو صلاح ابو سيف وسيد بدير، وفيه نجد المواجهة الحادة بين ( حى الفقراء ) حى بولاق ابو العلا، وحى الزمالك ( حى الاغنياء ) والذى يربط بينهما (كوبرى ابو العلا ) ـ بولاق ـ الحى الشعبى المزدحم بالطبقات الكادحة، وبالبيوت الصغيرة المتهالكة، حيث الحرفيون الصغار و الباعة و أصحاب الدكاكين و الورش، و على بعد خطوات قصيرة عن كوبري أبو العلا يبدأ عالم آخر مناقض هو حى الزمالك – حيث الشوارع الواسعة والبيوت الفخمة، والقصور و الفيلات التى تحيطها أسوار الحدائق .تدور الأحداث حول الاسطى حسن عامل الحدادة من حى بولاق .. تستدعيه إحدى ساكنات الزمالك إلى قصرها لتركيب الباب الحديد .. فتعجب بفحولته و تغريه بمعاشرتها، وينسي أسرته وأصدقاءه، وينعم بالحياة المرفهة معها – لكنها تمله و تتخذ لها عشيقا جديدا من طبقتها. وفى مشاجرة مع هذا العشيق يطلق عليها الزوج المشلول الرصاص ،ويتهم حسن بقتلها – لكن الزوج يعترف فى النهاية ويعود حسن إلى أسرته وأصدقائه وحيه نادماً . وحول هذه الأسرة وأهل الحى من أصدقاء الاوسطى حسن نتعرف على زميله العامل فى الورشة (شكوكو)، والحوذي الطيب ( السيد بدير ) و العجوز الأكثر طيبة ( عبد الوارث عسر).. حيث يرسم المخرج ملامح الحارة المصرية فى بولاق التى ولد وعاش فيها هو نفسه ويعرفها جيدا . وهذا الفيلم هو فيلم (أبو سيف )الثامن، ويبرز فيه حسه بالواقع القاهري فى موضوع يتناول الفوارق الطبقية، و الفقر فى الأحياء الشعبية ،والمواجهة بين عالمين مختلفين وطبقتين تفرق بينهما تناقضات مريرة وليس مجرد ( جسر ) على النيل ..إذ كان الفيلم واعيا بأن يدين ويحسم محاولة طبقة أن تحل مشاكلها من خلال الفقر على طبقة أخرى بقوة الجنس أو الفحولة – فهذه حلول وهمية مؤقتة – فضلا عن فرديتها، ولذلك فهو يعيد بطلة الاسطى حسن إلى واقعه الحقيقي فى حي بولاق بأزيائه ومركباته و لهجة أهله وأسلوب معيشتهم . وفى عام 1956 يقدم فيلم " شباب امرأة " قصة أمين يوسف غراب و السيناريو لنجيب محفوظ وأبو سيف.. ويدور حول شاب من الريف ياتى للقاهرة للالتحاق بالجامعة و يسكن فى بيت صاحبة ( سرجة ) بحي القلعة، وهى امرأة ناضجة تستدرجه لمعاشرتها حتى يمرض ..يلجأ إلى أسرة معارفه – فتطارده المرأة وتهدده بادعاء سرقة مجوهراتها إذا لم يقبل الزواج منها، لكن كاتب السرجة العجوز وعشيقها السابق يدفع بها تحت عجلة السرجة الحجرية الضخمة لتلقى حتفها . وفى هذا الفيلم تتجول الكاميرا مع ( إمام ) بطل الفيلم فى القاهرة الحديثة والقديمة حتى تصل عربة الحنطور الى احد الأحياء الشعبية ..و حيث ينجح الحوذي فى توفير حجرة (لإمام) فى منزل المعلمة ( شفاعات) صاحبة السرجة أى المعصرة – لتبرز أستاذية فنان الديكور (ولى الدين سامح ) فى تصميم المنزل و السرجة وتوظيف كل عناصر المكان بما يتلاءم مع البيئة ويتوائم مع السيلق الدرامي .. اما صلاح ابو سيف فقد وظف شريطي الصورة و الصوت، وبلغة سينمائية تتسم بالإيحاء و الإيجاز للمكان والزمان والحدث، ولم يفته أن يرصد أيضا ذلك الطابور من الحمالين الكادحين الذين يحملون الحجارة و ظهورهم منكسرة من المهاجرين الى القاهرة فى مشروع بناء عمارة كبيرة من عمارات القاهرة، وكم من عمارة وبناء أقاموها على مر السنين – وهى سمات قاهرية صميمة تجعلنا لا نتوقف عندما يقال بان قصته تشبه قصة الفيلم الامريكى " غروب " الذى مثلته جلوريا سوانسون ووليم هولدن، وإخراج بيلي وايلدر .. حتى لو اقترب جزء من حدوتة الفيلم مع فيلم اجنبى، ولدينا مثال " لك يوم يا ظالم " المأخوذ عن الرواية الفرنسية، وأصبح فيلم مصرياً صميماً .

ويعود أبو سيف ليرصد ملامح احد شوارع القاهرة هو " شارع الجنزورى " فى فيلم مختلف عن الفيلم السابق و هو " أنا حرة " 1959 عن رواية لاحسان عبد القدوس – من خلال تركيزه على القديم بعاداته و سماته و مظاهره فى ذلك الشارع القاهرى – كإختلاس النظر من ( الفراندا )، ولقاءات النميمة للسيدات فى الغرف المغلقة – وكذا ينتقل الفيلم إلى أجواء أخرى مختلفة عن اجواء ذلك الشارع وهو منزل " مارى" الخياطة الأجنبية، وهى تلك الأجواء التى كانت منتشرة بالقاهرة فى الأربعينيات و أوائل الخمسينيات من القرن العشرين، وعادات هذه الجاليات الاجنبية فى الرقص و الغناء التى كانت موجودة فى مصر، وكذا لعبة الباتيناج وملعبه وكادره المقلوب، ورقصة الليل فى الهرم، وهى ملامح مكانية وبشرية تدور فيها أحداث تتناول قضية حرية المراة المصرية فى تلك الفترة . وفى نفس العام يقدم ملمحا جانبيا أخر من ملامح مدينة القاهرة فى فيلم " بين السماء و الأرض " 1959 – حيث يتعطل مصعد عمارة كبيرة بوسط المدينة و بداخله أربعة عشر (14 ) شخصية متنوعة – من بينها (نجمة سينمائية)، ونشال، ولص خزائن، وزوجة مع عشيقها، وحامل مع زوجها، وعجوز فى طريقه إلى عرس جديد، ومجنون هارب، وفتاة تريد ان تلحق بحبيبها على السطح قبل ان ينتحر، وخادم يحمل صينية بطاطس لأصحاب الشقة التى يعمل بها، وشخصية متحذلقة، وشخص مغرم بالاحتكاك بالنساء، وعامل المصعد .. وفى محاولة إنقاذهم تتنقل الكاميرا إلى شوارع القاهرة وإلى أحد ملاعب كرة القدم، وإلى سطح هذه العمارة الضخمة ومن خلفها معالم القاهرة المختلفة، ثم ظهور رجال المطافئ، وبهذا ينقل الفليم إيقاع الحياة اليومى فى هذه المدينة التى بدأت تتضخم وتزدحم بالبشر كالاسانسير ( المصعد ) تماما، وبالسيارات – بعد ظهر احد ايام الجمعة فى عمارة كبيرة فى قلب القاهرة فى عز الصيف – حيث الحرارة و الشجار والاختناق، وكأن الفيلم جرس إنذار لما ستصبح عليه القاهرة فيما بعد من زحام وضجيج و اختناق و تلوث .

ونأتي إلى واحد من أفضل الأفلام التى تم تقديمها عن رواية من روايات نجيب محفوظ فى السينما وهو " بداية و نهاية " 1960 – سيناريو / صلاح عز الدين و ابو سيف، وهو الفيلم الذى يبدأ من حارة درب طياب بشارع كلوت بك الذى أشتهر بالبغاء فى الأربعينيات .. ثم الانتقال إلى قصر أحد البرجوازيين الكبار –أى سراي أحمد بك يسري الذى يعطف على الاسرة الفقيرة وتجعله وسيطا لها فى حل مشاكلها، او إلى شقة جديدة بحى مصر الجديدة بعد ان تم الانتقال اليها من بدروم فى حارة بشبرا، وهو الفيلم الذى تنتهي أحداثه بنقطة شرطة فى حى الظاهر ثم الانتحار فى النيل . ونلمس في هذا الفيلم حرص المخرج على إضفاء زمان الأحداث فى القاهرة خلال عقدي الثلاثينيات و الأربعينيات من القرن العشرين – ليس من خلال الصورة فقط – بل من خلال الصوت ابضا مثل : الأغنيات الصادرة من الراديو من خارج الكادر للمقاطع الغنائية المشهورة فى تلك الفترة و إشراكها فى أحداث الفيلم عندما تتردد أثناء مشهد شكاوى الام من تعقيد إجراءات صرف المعاش فنسمع اغنية ( يا هلترى ايه نكتب لى معاكى ) .. و للحق ان هذا الفيلم يعد كما قال الناقد د/ ناجى فوزى فى كتاب "القاهرة.. والسينما " ثقافة القاهرة – ص (63 ) - 2002 فى دراسته " قراءة فى المرئيات السينمائية لتراجيديا ( قاهرية ) "محكمة " حيث يشير إلى إفتتاحية الفيلم التى تبدأ فى داخل ورشة الحدادة، ونجد " حسنين " يدلف الى المنزل من باب الشارع ويصعد السلم مسرعا، وتركيز الفيلم على (سلالم ) تلك البيوت و سلالم دار السينما و سلالم السراى، ثم مصابيح الطريق و لافتات المحلات التجارية، و التركيز على الاضاءة الواقعية لتلك الاماكن الى ان يصطحب (حسنين) أخته ( نفيسة ) فى سيارة تاكسي إلى كوبري الزمالك لكى تنفذ تعهدها بالانتحار، وتستغرق المسافة التى تقطعها السيارة من حى السكاكينى و الظاهر إلى الزمالك زمنا تمر بها الشخصيتان بشحنه من المشاعر المتضاربة التى تختلج فى نفس كل من الاخ واخته . وجاءت الصورة مصحوبه بتلك التناوبات بين الضوء والظلمة على وجهي الشخصيتين داخل السيارة، وهى تناوبات تعزى تارة إلى الأضواء التي تميز واجهات بعض المحال أو لافتاتها، وتعزى تارة أخرى إلى مرور السيارة تحت مصابيح الطريق، وكذا تبرز ملامح الاحتفال بعيد الأضحى من خلال إعلان الجزار عن سلعته من لحوم الضأن – ليقدم (أبوسيف) من خلال هذه الصورة واحدا من أبرز الأعمال في تاريخ (التراجيديا ) السينمائية المصرية – حيث تبدو القاهرة بشوارعها وحتى أماكن له فيها حزينة وباكية، والتي تتجسد في رحلة ( نفيسة) إلى السقوط، والتفرقة الطبقية الحادة ،وتظللهم القاهرة جميعاً تحت سمائها في لوحة مليئة بالقسوة والأسى.

وفى القاهرة (30 ) 1966 عن رواية (القاهرة الجديدة) أو (فضيحة في القاهرة ) لنجيب محفوظ يستعرض أبو سيف الحياة بالقاهرة في الثلاثينيات من خلال ثلاثة من الطلبة يتخرجون من الجامعة – فيتجه أحدهما للعمل بالصحافة التي كانت تشارك في فساد الحياة السياسية حينئذ، و الثاني يهب نفسه للعمل السياسي، والثالث انتهازي يدفعه الفقر لقبول وظيفة مقابل الزواج من عشيقة وكيل الوزارة لتنتهى الأحداث بنجاح المناضل السياسي في توزيع منشوراته على الجماهير في حي القلعة العريق وفشل البوليس في اغتياله، حيث ينقل ( أبو سيف ) المناخ الاجتماعي والفكري والنفسي والفني أيضا في تلك الفترة التي كان المواطنون فيها يعانون من الاختناق في ظل أزمات عالمية ومحلية ،استطاع أن يجسد هذا العالم الذي كان مليئاً بالطربوش الطويل، والمنشورات ،والمظاهرات، وصوت عبد الوهاب القديم ( جفنه علم الغزل )، والانتهازيين، والثوريين ،والعشاق، والقوادين، والأسرة المالكة بأميراتها، تلك كانت هي القاهرة 30 بأحيائها وقصورها وشقة الطلبة الفقراء بحي بين السرايات الشعبي المجاور للجامعة، ونسائها، ولياليها ومنصاتها السياسية، ومكاتب وزرائها وموديلات سياراتها، والملابس بأزيائها المتنوعة للطالبات المختلفة – فقراء وأغنياء وطبقة متوسطة، وكذلك يحاول الفيلم أن يقدم بانوراما اجتماعية لعصر معين وزمان معين – فهو قصة مرحلة بأسرها عايشها المخرج في صباه (من مواليد 1915 ) حيث أشرك (أبو سيف ) السيناريست ( على الزرقانى)، وتلميذة أبو سيف ( وفيه خيري )، وكتب الحوار الكاتب اليساري ( لطفي الخولى )، ومن الملفت للنظر أن( نجيب محفوظ ) مؤلف الرواية والذي شارك المخرج من قبل في كتابة السيناريو لكثير من أعمالة منذ عام 1945 في فيلم ( المنتقم ) لم يشارك في إعداده حيث كان قد قرر ألا يواصل كتابة السيناريو لا في أعمالة ولا فى أعمال الآخريين، وقد اتاح هذا لصلاح أبو سيف مزيداً من الحرية فى تجسيد صورته الخاصة عن القاهرة من خلال رؤيته، وتصرف فى الرواية طبقاً لهذه الرؤية – حيث استطاع أن يحذف بعض الشخصيات مثل شخصية ( مأمون) الذي اتجه اتجاهاً دينياً مخالفا لرفاقه (محجوب وعلى وأحمد )، وان يحذف بعض تفاصيل الأحداث التي قد تؤثر على تصاعد الصراع الدرامي مما جعل واقع القاهرة في تلك الفترة لا حدود لقسوته ومرارته، وطرحه المخرج بجرأة واضحة ..وفى عام 1968 يواصل التعاون مع الكاتب لطفي الخولى في نصه المسرحي (القضية) التي قدمها المسرح القومي عام 1962 في فيلم بعنوان ( القضية 68 ) وشاركه في كتابة السيناريو ( وفية خيري وعلى عيسى ) حيث ينتقل إلى قاهرة الستينيات من خلال حي قاهري شعبي يغص بكل فئات المجتمع، ومن خلال واقعة بناء دور جديد فوق أحد البيوت ليكون مقرا للجنة الاتحاد الاشتراكي بالحي، ويصاب البيت بشرخ فيرى المخلصون من شباب أعضاء اللجنة أن البيت في حاجة إلى البناء من جديد بعد هدمه – بينما يرى الانتهازيون مجرد ترميمه، وهم مشغولون بتحقيق مصالحهم من خلال اللجنة- لكن البيت ينهار في النهاية، وهو ما يرمز إلى هزيمة مصر في حربها مع العدو الصهيوني في يونيو 1967 .ونلاحظ هنا أن صلاح أبو سيف قد راع كثيراً في نظرته للقاهرة في نهاية الستينيات – حيث كانت قد جرت في النهر مياه كثيرة بعد قيام الثورة في 23 يوليو 1952 ودخول مصر عهد جديد – حيث تغير نظامها السياسي القديم إلى نظام الحزب الواحد وهو الاتحاد الاشتراكي العربي، وسقوط مصر في هزيمة عسكرية قاسية وما سبقها وما تلاها من أحداث – فظهرت ملامح جديدة للنزهة لبعض الطبقات على سبيل المثال – لكن الفيلم غلبه الحوار المسرحي الذي يدور حول قضية الفيلم فحاصر الكاميرا في إطار مكاني ضيق –لم يتح للفيلم أن يبرز ملامح أكثر وضوحا للقاهرة في هذه الفترة من الستينيات. وبعد خمسة أعوام يعود ابوسيف إلى معشوقتة القاهرة في فيلم ( حمام الملاطيلى) 1973 وفى ظروف إنتاجية صعبة –عن قصة لإسماعيل ولى الدين، وشاركة السيناريو محسن زايد، ويدور حول شاب من أبناء المهاجرين من مدن القناة عقب هزيمة 1967 –يأتي إلى القاهرة بخطاب توصية يبحث عن وظيفة ،ويجد في الحمام الشعبي مكانا رخيصا للمبيت، وتفشل جهوده فى الحصول على الوظيفة لكن وخلال إقامته بالحمام يتعرف على بائعة هوى هاربة من الصعيد، كما تغريه زوجة صاحب الحمام بمعاشرتها، كما يغريه احد المثقفين الشواذ جنسيا ممن يترددون على الحمام، وهناك أيضا اللصوص والقتلة ومهربو المخدرات وحطام كائنات بشرية تعمل تحت الأرض، ويضيق الشاب بمظاهر الفساد المحيطة –فيقرر العودة الى مدينته الأصلية وهى الإسماعيلية التي هجروه وأهله منها –حيث لا حل الا بطرد المستعمر الصهيوني واسترداد الأرض، وهو ما يردده (الدرويش ) الذي يتكرر ظهوره فى الفيلم وهو يصيح ( اصحي يا مصر) ويردد بطولات المصريين التاريخية ضد المعتدين. خلال هذا الفيلم نلمس واقع الإنسان المصرى الذي يحياه في أعقاب الهزيمة، ونلمح مناخ جو القاهرة الشعبية في ذلك الوقت : المساجد، المباني، الشوارع، الصناعات التقليدية والطابع الشعبي الأصيل.. حيث تدور الأحداث في حي الجمالية وبين آثاره الإسلامية العظيمة التي تراكم عليها التراب والإهمال رغم أن الفيلم تجاهل كثيرا الشارع المصري المزدحم والآثار القديمة التي ضاعت وسط الإهمال واللامبالاة، واهتم بالارتباط بين رواد الحمام والحي الشعبي والذي يمثل مصر القديمة وإهمال كلمات الرواية الأصلية في خروج بطل الرواية ( نحو جامع أم الغلام ،ينزل على درجات لا تتحمل الا إنسان واحد – تحت الجامع قبوه مضيئة دائمة، وضريحا بينهما ) وحيث يضع البطل شمعة عند ضريح ام الغلام وشمعة عند ضريح فاطمة بنت الحسن، ويدور حول المنطقة والأرصفة الممتلئة برجال ونساء لا يعملون ولا يتكلمون، وأشياء ملقاة على الارض ـ بقايا كل شىء.. حتى بقايا الإنسان، ويبقى لصلاح ابوسيف أن يجسد بعض ملامح الجمالية، وفوضى المرور، وتخطى الإشارات والحواجز، ولافتات الممنوع، والموظفين الذين بلا عمل، ومشاهد الإعلانات الكثيرة فى الشوارع كإعلانات خرز البقر، ودار المعارف، والشعارات .. فقد كانت القاهرة التى كانت فى حاجة الى مزيد من التفاصيل والدراسات السكانية والاجتماعية بل والطوبوغرافية .

وأخيراً يقدم صلاح أبوسيف ـ بعد أن تخطى الستين من عمره فيلمه الروائى السادس والثلاثين "السقا مات" 1977 عن قصة ليوسف السباعى والتى نشرت كرواية عام 1952، سيناريو وحوار محسن زايد . وتدور أحداثه فى قاهرة العشرينيات – حول علاقة صداقة تنشأ بين (سقا) يزهد الحياة بعد موت زوجته، و(مطيباتى ) يحترف السير فى الجنازات ويقبل بنهم على الحياة ـ ويدعو (المطيباتى) صديقه السقا للزواج للإقبال على الحياة . بينما يموت المطيباتى وهو يعد نفسه بالمنشطات لليلة حمراء مع إحدى العاهرات – فيعود السقا الى زهده وتأملاته الميتا فيزيقية (الغيبية ). وفى هذا الفيلم يعود أبو سيف الى قاهرة العشرينيات فى حى عصرى شعبى عام1921 بعد ثورة 1919 ـ حيث تتوالى المشاهد مثل مشهد الاطفال فى ( الكتاب )، ومشهد رواية السقا شوشة لإبنة ( سيد) فى الحمام الشعبى عن موت أمه، ومكملا هذه الرواية وهو يحمله على كتفه فى الطريق بعد الحمام الى البيت، ومشهد (المطيباتية ) فى جنازات تلك الايام ومشهد حنفية الحكومة فى ميدان ذلك الحى الشعبى، والمسمط، والحمام وجو الافراح الشعبية، و(الخناقات)، ومشهد شوشة شحاته يدخنان الحشيش على قهوة (الافندية )، وكل مشاهد الجنازات والمقابر، وتكوينات الطرابيش الحمراء فى زرقة الموت الكابية ( وهو تقليد قديم ـ ختفى من حياتنا، وربما كان هذا التقليد منقولا من صورة الجنازات فى الغرب )، وخلق جو الحارة المصرية وأولاد البلد، ودور (المعلم شوشة) كسقا حى الحسين، ومهنة – السقا- التى انقرضت، وتداخل لقطات جوامع ومساجد القاهرة فى الفجر مع اصوات المؤذنين، وبيوت الحارة – حيث مهاد الحكاية – التلاصقة، وشرفاتها ونوافذها التى تتلامس كأنها فى مصافحة، وأزقتها الضيقة، كأناسها الذين تختلط حياتهم معا وكأنهم يعيشون فى بيت واحد، وعلى مدى سنى الحياة تتكون خلفية أهل الحارة التى لاتضع أى حاجز بين أبنائها فى السراء والضراء .هذا من ناحية الموضوع، أما من الناحية الفنية فإن على هذا التداخل أن يخلق إحساسا بحميمية المكان وإنسانية عناصره، وألفة العلاقة بين أهله، وبهذا المعنى لايستطيع المشاهد أن يفصل الحكاية وأحداثها وشخوصها عن الامكنة التى تحتضن كل التفاصيل والمنحنيات – يستوى فى ذلك المكان العام – كالمقهى والحمام الشعبى والمقبرة وحنفية الحارة، واستخدام ( المدق) الخاص بالعطار كرمز للموت فى مقدمة الصورة، عندما يتحدث شحاته عن فلسفته فى مواجهة الموت، المشهد نفسه يتكرر عندما تمر جنازته بعد ذلك، وكذا الامكنة الخاصة :كالبيت الفقير الذى يعيش فيه شوشة ومدخله ذى البهو الواسع، والغرفة التى يعيش فيها شحاته – الموصلاتى – المطيباتى ،والغرفة التى تعيش فيها (عزيزة) كما يتخيلها شحاته، ودكان (خوشت) الجزار، ومسمط المعلمة (زمزم ) . والتى تشكل المناخ العام للقاهرة فى ذلك الزمان ...

ونحن . بعد استعراضنا لهذة الافلام الاثنى عشر – لا نجد فى السينما المصرية من كان أكثر عشقاُ لمدينته- القاهرة ـ مثلما عشق صلاح أبوسيف هذه المدينة، التى استطاع أن يسبر أغوارها، ويكشف عن دواخلها – على مدى السنين بلغة سينمائية متميزة كما يقر بذلك معظم النقاد.

_________________


---------------الدكتور بيومي الشيمي---------------
avatar
الدكتور بيومي الشيمي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 1356
العمر : 66
العمل : الشعر الفصيح - النقد الأدبي
الأوسمة الأوسمة : 4
نقاط : 7355
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى