فرسان الفجر
أيها الفارس يامن حللت بين أهلك وعشيرتك في دار فرسان الفجر العربي مرحبا بك في دارك عضوا يضفي بمساهماته بريقا يتلألأ في ضوء الفجر
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» الحلو متكبر للشاعر نادر الأسيوطي
الإثنين 25 يناير 2016, 3:01 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» ديوانُ شعري أنوارٌ بمشكاة
السبت 07 نوفمبر 2015, 8:43 pm من طرف زاهية بنت البحر

» شاكر بوعلاقي اعود الى ماضينا
الأربعاء 28 أكتوبر 2015, 4:20 pm من طرف خوري ليليا

» غرف نوم وغرف اطفال ومطابخ وانتيكات
الإثنين 29 ديسمبر 2014, 9:45 am من طرف احمد عطية

» راجعين نادر الأسيوطي
الثلاثاء 18 مارس 2014, 4:57 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» البوم صور شاكر بوعلاقي
الثلاثاء 04 مارس 2014, 6:00 pm من طرف شاكر بوعلاقي

» محكمة
الخميس 13 فبراير 2014, 6:21 pm من طرف الشاعر نادر الأسيوطي

» صلوا علي الحبيب المصطفي
الخميس 26 ديسمبر 2013, 7:08 pm من طرف انا فيروز

» بشـــــــــــــــــــرى لكـــــــل ربــه منزل وسيده
الإثنين 02 ديسمبر 2013, 8:48 pm من طرف انا فيروز

» دقــــــــولــــهــــا الــــهــــون
الخميس 09 أغسطس 2012, 8:23 pm من طرف عامر عبدالسلام

التبادل الاعلاني

الجزء السابع من كتاب الدراسات للمؤتمر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

الجزء السابع من كتاب الدراسات للمؤتمر

مُساهمة من طرف الدكتور بيومي الشيمي في الأربعاء 05 مايو 2010, 4:17 pm

القاهرة بعيون الاسكندراني يوسف شاهين
أ.اشرف البيومي


خلطة مصرية :

يوسف شاهين خلطة مصرية خاصة جدا فهو نتاج مرحلة التعددية الثقافية والحضارية والعرقية والتي كانت تميز تاريخ المحروسة فهو مصري ولد في الإسكندرية من أم يونانية وأب من أصول لبنانية عام ١٩٢٦، درس في كلية فيكتوريا بالإسكندرية كانت هذه الكلية تعلم اللغات وكان أغلب الطلبة فيها من أبناء العائلات الكبيرة المصرية وغير المصرية، وكان يوسف شاهين من الطبقة الوسطي، ولكن والده المحامي أراد له أن يحصل علي أرقي مستويات التعليم، وكانت نتيجة تخرج شاهين في كلية فيكتوريا أن أصبحت لغته الأولي هي الإنجليزية، والثانية الفرنسية، والثالثة العربية، أو بالأحري العامية المصرية، ثم درس التمثيل في معهد باسادينا بالولايات المتحدة الأمريكية وحتي عندما تزوج ارتبط بكوليت فافودون الفرنسية المولودة بالإسكندرية.

إن السينما هي حياة يوسف شاهين فهو واحد من المخرجين العرب القلائل الذين عرضت أفلامهم على شاشات وتلفزيونات الدول الأوروبية، إنه في معظم أفلامه يحاول إعادة تشكيل الواقع إنطلاقاً من مفهومه الخاص للعالم وهو الذي وضع السينما المصرية علي خريطة الفن السابع العالمي أكثر من أي مخرج آخر، وكان كل فيلم جديد من أفلامه من الأحداث الثقافية التي تثير الجدل الخصب علي مختلف المستويات وسوف يظل عالمه الفني الجميل ما بقي الفن والإبداع، وأخرج ٣٧ فيلماً روائياً طويلاً و٥ أفلام قصيرة تسجيلية وروائية منذ عام ١٩٥٠، منها فيلم مشترك مع الاتحاد السوفيتي عام ١٩٦٨، و٤ أفلام مشتركة مع الجزائر من ١٩٧٢ إلي ١٩٨٢، و٩ أفلام مشتركة مع فرنسا من ١٩٨٥ إلي ٢٠٠٧.

القاهرة علي شاشات جو :

إذا كان شاهين قد ارتبط بالإسكندرية في معظم إعماله ويري فيها أندلس العرب الجديدة من حيث التسامح والتنوع الفكري والثقافي والفني الاان القاهرة حظيت بأجناس سينمائية متعددة قدمها شاهين إضافة إلي الروائي الطويل هناك التسجيلي والروائي القصير ولكن جو كان يري في القاهرة مثالا للعشوائية والزحام والضجيج وقاهرة الأحلام وصانعة للأوهام وجاذبة لأنواع متعددة من والإشكاليات مثل الإرهاب .. الغزو الثقافي .. الإسكان .. المواصلات .. أزمة الغذاء و لحظات الاختيار المختلفة والصعبة في حياة المواطن القاهري البسيط ونري ان معظم أفلامه الروائية الطويلة تحتوى على لقطات تسجيلية عديدة لبعض الاحداث الكبير التي مرت بمدينة الالف مئذنة، جنازة عبدالناصر فى "عودة الابن الضال"، وإضراب نقابة السينمائيين فى "اسكندرية كمان وكمان"،

يطرح جو عدة اسئلة حول القاهرة هل هي مجرد راقصة "هز بطن" فى ملهى ليلى أم أنها سكان منطقة المقابر؟ ام هي مختزلة في "ناسها"وسماتهم "طيبة قلبهم وخفة ظلهم وتسامحهم".

ومع ذلك فان حب شاهين للقاهرة وناسها قديم وأصيل إذ يقول: أحب القاهرة بعمق شديد إلى حد أنه عندما يأتي أحد ويسألني لماذا، فإنني أجد صعوبة في الإجابة

كانت رحلة يوسف شاهين مع القاهرة فى أفلامه الطويلة والقصيرة تعبيرا عن هاتين الرغبتين بداخل الفنان: تغيير التاريخ وليس تكراره، وأن "يوَّرينا"، وهى كلمة تحمل معنى مزدوجا من التهديد الانتقامى من محاولة العالم أن يقمعه، ومن رغبة الفنان أن "يفرجنا" على العالم الحقيقى أيضا، وكلمة "الحقيقى" هنا لا تعنى "المادى" أو "الخارجى"، وإنما العالم كما يراه الفنان، لأنه لا وجود لهذا العالم إذا لم تكن هناك عين تراه.

القاهرة الرمضانية :

كان فيلم «بابا أمين» أول أعمال شاهين مذاقاً جديداً لم يألفه جمهور السينما السائدة ولا صناعها. ولم يكن وقتها تفرقة بين عنصري الأمة إلا أنه حينما سجل المؤرخين قصة حياته قالوا من هذا المخرج المسيحي الذي يصنع فيلماً تدور كل أحداثه في شهر رمضان، ويعبر عن شهر صيام المسلمين بقوة وجمال –علما ان شهر رمضان لم يظهر علي الشاشة الفضية المصرية الا في مرات تعد علي اصابع اليد الواحدة -

ثم زاد تعجبهم عن طريقته الفريدة فى الإيداع الفنى فقالوا ما هذا المخرج الذي يبدأ بفيلم تدور بعض أحداثه في العالم الآخر بعد موت بطله، والذي نكتشف في النهاية أنه لم يمت، وإنما كان يعاني من كابوس.

ومنذ بداية مشواره الفنى وحتى موته تلاحقت الأسئلة فقالوا فى البداية ما هذا المخرج الذي يسند إلي حسين رياض الدور الرئيسي، وهو ممثل عظيم، ولكنه لم يمثل الدور الرئيسي طوال حياته إلا نادراً، وما هذا الأسلوب الذي يعتمد علي اللقطات القصيرة ويصنع إيقاعاً سريعاً مع حركة الكاميرا المستمرة. وما هذا الأسلوب الحيوي في تقديم الأغاني والاستعراضات؟ قسوة القاهرة

أما بفيلم (باب الحديد ـ 1958)، فقد وصل شاهين إلى مرحلة فنية متقدمة، جعلته أهم شخصية سينمائية في مصر آنذاك، حيث كان هذا الفيلم متقدماً على السينما المصرية بسنوات، الأمر الذي يفسر فشله التجاري وإحجام الجمهور عنه. ففي فيلمه هذا، برع شاهين في تصوير قطاع من الحياة اليومية القاهرية المعتادة القاسية، بقدر ما برع في تجسيد شخصية ذلك الفقير المقعد "قناوي". وقد كان (باب الحديد) مفاجأة حقاً، ليس لصدقه المتناهي ومضمونه المتميز فحسب، وإنما ـ أيضاً ـ لأسلوبه الجديد ولغته السينمائية المتقدمة وجمالياته الخاصة.. وليس هناك شك في أن يوسف شاهين قد سجل، بهذا الفيلم، خطوة متقدمة في مرحلة نمو الوعي الاجتماعي وبفيلم (الناصر صلاح الدين ـ 1963) يؤكد يوسف شاهين قدراته السينمائية والتقنية وحبه للقاهرة في احدي ادوراها الاوهو الدفاع عن الحقوق العربية واستعادتها من الغزاة، حيث يقدم من خلاله ملحمة على طريقة أفلام هوليوود الضخمة، عن الحروب الصليبية التي قادها صلاح الدين الأيوبي ضد أوروبا، مشيراً ـ بشكل واضح ـ إلى قاهرة عبد الناصر، الذي قاوم أوروبا ـ أيضاً ـ إبان العدوان الثلاثي على مصر.

قدم شاهين بعدها، فيلم (فجر يوم جديد ـ 1964) متناولاً فيه وضع الطبقة البورجوازية في القاهرة بعد ثورة يوليو 1952. ويعلق شاهين على هذا الفيلم، فيقول: (...كنت لازلت مثالياً، فتصورت إن الأمل يأتي من داخل البورجوازية ذاتها، وربما يعود هذا التصور الى طبيعة انتمائي الطبقي...). وفي هذا العمل تعرف علي سمير نصرى الذي كان له تأثير كبيرا على المخرج يوسف شاهين لأن عن طريقه تعرف على السينما الأوروبية من خلال أفلام فيللينى وانطونيونى كما انه يعد بداية انهيار الفكر اليقيني المطلق لدي شاهين خاصة انه تزامن مع نكسة الخامس من يونيو 1967 التي بسببها بدأ الوعي السياسي لدى شاهين يأخذ مسارا آخر انعكس على أفلامه، فقدم فيلمه ”الارض” العام 1970 الذي بلغ فيه قمة نضوجه الفني والفكري والجمالي معا. علي أن شاهين بقي شاهين وفيا لأفكاره وبيئته الاجتماعية والثقافية، فأخرج ”الاختيار” العام 1971، ثم ”العصفور” العام 1973، و”عودة الابن الضال” العام 1976، وحاول في هذه الثلاثية السينمائية ان يتناول العلاقة بين المثقف والسلطة والمجتمع في مدينة القاهرة المعاصرة في أعقاب هزيمة يونيو وجاء ت الشخصية الرئيسية في فيلم «الاختيار» الذي كتب شاهين قصته مع أديب نوبل نجيب محفوظ «١٩١١ - ٢٠٠٦» مثقف يعاني من ازدواج الشخصية يقتل توأمه الذي يعبر عن الإنسان الحر في داخله وداخل كل إنسان، ليتجنب الصدام مع السلطة، ويصبح كاتباً «مشهوراً» يعيش حياة مرفهة، وينال أوسمة وجوائز الدولة، ويعمل في وفد مصر بالأمم المتحدة، وقد يري البعض أن نقد المثقفين في هذين الفيلمين جاء في إطار ما أطلق عليه بعد هزيمة ١٩٦٧ «أزمة المثقفين» في محاولة لتحميلهم مسؤولية الهزيمة، رغم أنها كانت مسؤولية المجتمع ككل، وجعل يوسف شاهين نجمة عصرها سعاد حسني تمثل دوراً علي هامش الأحداث، ولم يتجاوب معه الجمهور.

فيلم العصفور يدخل إلى الحياة القاهرية بقسوة وإلى عمق الناس بشفافية تتعمد إعادة اكتشاف الحياة نفسها بنفسها، وصرخة بهية(حنحارب) صرخة الأرض والناس والوطن الذي رفض الهزيمة وأسبابها..لكنها كانت صرخة في واد..وكان ما جرى قد جرى ففي فيلم "العصفور" يحاول شاهين البحث في الهزيمة والانكسار من خلال مستويات عدة، يدخل إلى عمق الأشياء والناس..إلى الواقع وإلى الأزمات التي كنا نعانيها إبان الهزيمة، إنه بحث سينمائي معمق في أسباب النكسة وطبيعة العلاقات التي كانت منتشرة وقتذاك ويرى شاهين إنها كانت إحدى علامات النكسة، إنه بمعنى ما تأريخ للحظة حاسمة في تاريخ الأمة ومصيرها.

وإذا كان ”العصفور” شهد تصعيدا في نبرة يوسف شاهين المنددة بالهزيمة، فإنه شهد في الوقت نفسه إمعانا في التعقيد والتركيب جعل من الصعوبة على المشاهدين متابعة قضاياه الشائكة المجتمعة في عمل أخاذ ذكي وشاعري يتفوق بشكل بعيد على جميع أعماله السابقة من جهة قابليته لأكثر من قراءة وعلى أكثر من مستوى

وقد منع «العصفور» من العرض في مصر من ١٩٧٢ إلي ١٩٧٥ بقرار من الرقابة المصرية، لأنه ينتهي بالمطالبة بالحرب من أجل تحرير الأراضي المصرية التي احتلتها إسرائيل في ١٩٧٦، ولم يصرح به إلا عام ١٩٧٥ بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ التي حررت تلك الأراضي.

وفيلم «عودة الابن الضال» ١٩٧٦ الذي يعتبر من تحفه الكبري، وكان ولايزال أجمل وأطول رثاء لعهد عبد الناصر فقد راينا كيف انهار حلم علي الابن الاكبر لاسرة من بقايا الاقطاع الريفي عندما هبط الي القاهرة لاستكمال دراسته بالهندسة ثم سجنه ظلما علي يد مافيا الفساد كانت نهاية «عودة الابن الضال» حرباً أهلية بالسلاح بين أفراد الأسرة الواحدة، وكانت الحرب الأهلية في لبنان قد بدأت عام ١٩٧٥.

”وداعاً بونابرت”:

وعاد في ”وداعاً بونابرت” الي القاهرة التاريخية ليطرح رؤية معاصرة في موضوع الغزو الفرنسي لمصر أواخر القرن الثامن عشر بزعامة نابليون بونابرت وصور فيه علاقة المصريين بقوات الحملة، ناقدا بشدة جناح المقاومة، بسبب اعتماده على وسائل بدائية في التصدي مخفظا الى حد بعيد من الإعمال الهمجية التي قام بها الجنود الفرنسيون عبر تصويره علاقة صداقة وتحد بين شاب مصري متسلح بالعلم والمعرفة ومهندس الحملة الفرنسية التي أضفى عليه شاهين سمات انسانية واحد من الأفلام التي قد لا تعبر عن نفسها من أول مرة وذلك لخصوصية الخلفيات التاريخية المصرية في الفيلم الذي يتناول ماضي القاهرة ..أي التاريخ...ولكن بإعادة قراءة جديدة فالتاريخ كما يراه شاهين يتطور مع الزمن والعلاقة به تختلف حسب الموقع والزاوية التي يُنظر منها إليه، والتي تنعكس في الفيلم من خلال وجهة نظر ابن العائلة المصرية(علي) والذي يلعب دور البطولة فيه الممثل "محسن محي الدين" ممثل شاهين المفضل في تلك المرحلة.

إنه فيلم يعكس أجواء داخلية ضمن إطار استعراضي كبير وهو فيلم معاصر من خلال قصة تاريخية كبيرة ومجنونة، إنها صرخة عشق للحرية وهو في النهاية يعكس نوعاً من السخرية الرقيقة حول حدث هام في تاريخ العالم كما يقول عنه الممثل الفرنسي ميشيل بيكولي.

بهجة الحزن :

يعود شاهين في ”اليوم السادس” والذي يهديه إلى(جين كيلي) الذي أدخل البهجة إلى قلوب عشاق السينما الاستعراضية إلى فترة الأربعينيات، زمن انتشار وباء الكوليرا بالقاهرة المحروسة في طموح لتصوير رؤيا عبثية لنهاية العالم، معتمدا على قصة لكاتبة فرنسية من أصل مصري هي (اندريه شديد) واسند دور البطولة فيه إلى المغنية الايطالية الفرنسية من اصول مصرية ايضا هي (داليدا) إلى جانب بطل أفلامه منذ ”أسكندريه ليه؟” محسن محي الدين.

في "اليوم السادس" يحكي قصة امرأة في خريف العمر(صديقة) تلعب الدور الممثلة(المطربة) الفرنسية داليدا والتي تحاول التمسك بالحياة عن طريق إنقاذ حفيدها الصغير(حسن) من وباء الكوليرا الذي أصاب مصر نهاية الأربعينيات، وكذلك فهي تحاول إنقاذ نفسها من الجفاف العاطفي الذي كانت تعيشه منذ سنوات...وتطل علينا في الفيلم شخصية(عُكا) محسن محي الدين القرداتي الذي نتلمس عوالم وهواجس يوسف شاهين الخاصة في شخصيته في الفيلم. فبين الحي الشعبي وجو القاهرة الموبوء بالكوليرا تدور أحداث الفيلم، وفيه تنمو الشخصيات وتتطور في تطورها الداخلي الذي يعتمد شاهين دوماً على إبرازه في كافة نقاط الفيلم إن يوسف شاهين في (اليوم السادس) يواصل ما بدأه منذ أكثر من أربعين سنة، الدفاع المشروع عن الحياة والحب..

قاهرة الذات :

واحتلت القاهرة جزء من رباعية سيرة شاهين السينمائية الذاتية بدأها بفيلم"إسكندرية ليه"ثم"حدوتة مصرية"ثم"إسكندرية كمان وكمان" واخيرا "إسكندرية نيويورك"...وفيها يتصاعد يوسف شاهين في عطاءاته السينمائية فيخلط بهذه الرباعية كل شيء...المكاشفة مع النفس..خلط الأزمنة والأمكنة-الناس_ الأحداث..الحياة نفسها..ليخرج لنا بالنتيجة بالحياة ذاتها مرة أخرى..لكن تبقى فيها وجهة شاهين الخاصة ونظرته إلى الحياة والواقع في رؤية سينمائية إنسانية شديدة التأثير والحساسية. واستطاع جو عبر (حدوتة مصرية ـ 1982)، وضع خلاصة تجاربه ومعاناته وتمرده وإحباطاته وإنتصاراته.. إنه فيلم يشد المتفرج ويستحوذ على تفكيره ويهزه من الأعماق.

وقد اختار يوسف شاهين حشداً كبيراً من نجوم مصر لتجسيد شخصيات السيناريو الذي وضعه شاهين نفسه، ونجح في إدارتهم جميعاً بشكل مذهل، مما جعل النقاد العالميين في مهرجان برلين الدولي يجمعون على الإشادة بمستوى الأداء التمثيلي. فكان نور الشريف في أنضج ظهور له على الشاشة وهو يمثل دور شاهين، أي شخصية يحيى شكري مراد. ومع نور الشريف كان هناك : ماجدة الخطيب في دور شقيقته، سهير البابلي في دور والدته، محمود المليجي في دور والده، محسن محي الدين في دور شاهين وهو شاباً مكملاً دوره في (إسكندرية ليه)، يسرا في دور زوجته، رجاء حسين في دور بنت الشعب الأصيلة، سيف الدين في دور الصديق الوصولي، أحمد محرز في دور الطبيب الصديق، محمد منير في دور الصديق الوفي والتقدمي ومساعده في الإخراج.

في فيلمه هذا، يقدم يوسف شاهين سيرته الذاتية كإنسان وفنان بالقاهرة تحديدا، وهو بالتالي إبحار داخل الذات. وتعتبر هذه التجربة السينمائية الثالثة من نوعها، بعد أن قدمها أولاً المخرج إيليا كازان في فيلم (أمريكا.. أمريكا)، وقام بتكرارها المخرج بوب فوس في فيلم (كل هذا الجاز).

وفي هذة الحدوتة يحاكم شاهين نفسه أولاً، والمحيطين من حوله ثانياً، والقاهرة ثالثاً. هذه المحاكمة التي نصبت ـ بشكل سريالي ـ داخل جسم شاهين وبالتحديد في قفصه الصدري.. محاكمة جريئة وصريحة تجمع بين الجلاد والقاضي، بين المتهم والمحلف، وكذلك بين الحاكم والمحكوم. فهي محاكمة للذات والواقع والعصر الذي يعيشه شاهين محاكمة استعاد فيها أسئلة زمن المراهقة. استعادها وهو يشعر انه اقترب من الموت عندما أجرى عملية قلب مفتوح. كانت شجاعة النقد اهم ما في افلام السيرة الذاتية. واذا حررتها من فكرة الجرأة والنقد الذاتي سترى أنها ( باستثناء الفيلم الاول: اسكندرية ليه) تعتمد على لعبة مسرح يمكن ان تراها بصورة مكبرة في"حدوتة مصرية" حيث الخشبة هى مكان مواجهة الذات. محاكمة. واعترافات. تشريح العائلة. انتصار البطل بمصالحة مع طفولته المعذبة.

غواية المحروسة :

في نهاية الألفية الثانية وبداية الثالثة ذهب يوسف شاهين نحو مناقشة تنامي التطرف الديني والتخلف والتراجع الفكري في العديد من أفلامه مثل (المصير) و(المهاجر) ونحو ظاهرة العولمة في(الآخر) وصولاً إلى تاكل الطبقة الوسطي بفيلمه(هي فوضى)..

في العام 1995 وجد يوسف شاهين في فيلمه ”المهاجر” ما يوازي بين حياته الخاصة وبين الشخصية التاريخية المأخوذة خاصة مع غواية القاهرة المحروسة للشاب يوسف، في اجزاء كثيرة منها، ليتتبع فيها مسارا شبيها بالمزاوجة ما بين الرؤية المعاصرة للتاريخ واستنطاقه، وقد جر عليه ذلك كثيرا من الدعاوى القضائية من اطراف متعددة.

أكد بفيلمه ”المصير” 1997 دور قاهرة الازهر-او ازهر القاهرة في حماية العلم والمعرفة والحياة من خلال شخصية الفيلسوف العربي ابن رشد الذي عاش حياة ثقافية وفكرية ثرية وترك بصماته على الفلسفة الأوروبية عبر تقديم رؤية جريئة لواقع شبيه بماض تاريخي وبحث دؤوب عن قيم الحق والخير والجمال .

معلم سينمائي:

تحول شاهين في الافلام الاخيرة (الآخر..سكوت هانصور..وقبلها في المصير) من فنان قلق. يعري ذاته المختفيه وراء خوف برجوازي ثقيل ، إلى مرشد. معلم. يقول الحقيقة الكاملة ويعلم الناس. في هذه الافلام اصبح النقد السياسي والتفكير وألعاب الذهن اقرب إلى خط منفصل تقريباً. مثل نتوءات او حواجز على المشاهد تفاديها لكي لا يشعر انه ذهب إلى خطبة او حصة مدرسية.ارتبط هذا الاحساس بعودة يوسف شاهين إلى المجرى العام. اصبح نجماً عمومياً (بعد المهاجر.. والمصير وحربه على الارهاب). شاركه التليفزيون المصري في الانتاج ورفعت قرارات المنع غير المعلنة وعرضت افلامه القديمة للجمهور العادي. وهنا فقدت نصف هالتها تقريباً. واصبح من الممكن ان نراها افلاماً عادية ومملة وغير مبهجة احياناً.قطع شاهين شوطا على طريق تحرير أداته السينمائية وتحويلها الى وسيلة لتناول الواقع الذي يعايشه، من خلال رؤيته الذاتية الخاصة، لكنه بفيلم ”سكوت ح نصور” يعود ليعكس اجتهاده الخاص في فهم طبيعة التحولات داخل البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية في القاهرة اليوم، ويتابع التطورات على مجموعة من الشخصيات المحورية التي اختارها: الجدة سليلة الطبقة البرجوازية (ماجدة الخطيب) بكل ما لديها من طموحات وفطنة والباحثة عن الحياة والبهجة والسعادة ولو في اخر لحظات حياتها، والتي تعيش داخل قصر فخم نفيس بمقتنياته المتوارثة ومعها ابنتها المغنية ملك (لطيفة) الباحثة عن ذاتها في عالم الشهرة والنجوم، والتي هجرها زوجها وتقيم علاقة مع شاب محتال وانتهازي يرغب في الاستيلاء على ثروة العائلة (يؤدي الدور احمد وفيق) كنموذج لأحد افرازات العولمة الجديدة الخالية من القيم والمشاعر الانسانية، إذ لا يأبه الا بطموحاته المادية في الثراء السريع ولو عن طريق الخداع والكذب والادعاء. واكد شاهين في عمله الاخير ”هي فوضى” على انحيازه الى البسطاء في واقعهم اليومي وفق اسلوبية مغايرة لأفلامه السابقة بحيث استطاع ان يقدمه بافتتان بليغ لا يخلو من الجرأة التي دأبت عليها مسيرته السينمائية الطويلة بما تحمله من ثراء فني وخصوبة فكرية ورؤية ناضجة للواقع والتي تمكنت ان تحفر لصاحبها المكانة اللائقة بين افذاذ صناع الفن السابع بالعالم.

قاهرة الطرب :

وكان (شاهين) يعتبر الأغنية سلاح خطير جداً .. وأعتقد أنه لهذا السبب ولاختياراته الدقيقة ظهرت في أفلامه أقوى الأغاني التي عرفناها في السينما حتى الآن والتي يرددها أغلبنا حتى لو لم نكن من متابعي الأفلام نفسها فمن منا ينسى أغنية (راجعين) في فيلم (العصفور) التي أصبحت أغنية الجنود على الجبهة في يوم العبور العظيم ؟ أو أغنية (علي صوتك) بصوت محمد منير في (المصير) ؟ أو أغاني ماجدة الرومي في (عودة الابن الضال) ؟ أو أغنية لطيفة الشهيرة (تعرف تتكلم بلدي) في (سكوت ح نصور) كل هذه أغاني عاشت في وجدان الشعب حتي ولو لم يكن الجمهور نفسه على دراية بالأفلام .

السينما الأخرى:

لم يغفل شاهين دور الأجناس السينما الاخري مثل الافلام القصيرة والتسجيلية بل انه دعا المشاهد الي ممارسة "لعبة" شاهين التى يستمتع بها ويطلب منا أن نستمتع خلالها معه، هى المزج بين التسجيلى والروائى، وأن نعبر الخط الوهمى الفاصل بينهما جيئة وذهابا. وفى أفلامه القصيرة السبعة، بدءا من "عيد الميرون" (1967) وحتى "بعد 47 سنة" (2007).

بدأت رحلة يوسف شاهين مع الأفلام القصيرة بفيلم "عيد الميرون"، والميرون هو الزيت المقدس الذى يحمل آثار "حانوط" السيد المسيح، يتم إعداد كمية منه كلما أوشك على النفاد، فيسهر على إعداده الكهنة فى بداية أسبوع الآلام فى الكنيسة الأم فى مصر، لينتقل بعدها إلى أرجاء عديدة من العالم يمسحون به الأطفال عند تعميدهم. إن الفيلم يتناول فى لقطات تسجيلية إعداد البابا كيرلس السادس والكهنة للزيت المقدس فى أبريل من عام 1967، فى طقوس تجمع بين المادى والروحى ومن هذا العالم التسجيلى لواقع راهن ينتقل بك يوسف شاهين إلى العالم الروائى الذى يحكى لك قصة دخول المسيحية إلى مصر، فى مشاهد تمثيلية ترى فيها القديس مارمرقص الذى هرب من الاضطهاد الرومانى إلى مصر، وكان أحد الإسكافيين المصريين هو أول أتباعه الذين تكاثروا، حتى اكتشف الرومان الأمر ليُقبض على مارمرقص ويسير هو نفسه على طريق الآلام، لكن استشهاده لم يكن النهاية، وإنما البداية لأن تصل المسيحية المصرية القاهرية إلى روما ذاتها، فالأفكار لها أجنحة كما سوف يؤكد يوسف شاهين بعد ثلاثة عقود فى فيلمه عن ابن رشد "المصير".

مثل استمرار الزيت المقدس عبر القرون – يأتى فيلم "سلوى" (1972)، الذى تم إنتاجه فى سياق "الدعاية" لفكرة توفير الغذاء وتحديد النسل معا من أجل ضمان مستقبل أفضل. قام يوسف شاهين بتصوير الفيلم فى المواقع الحقيقية بأسلوب يذكرك كثيرا بفيلميه "الأرض" و"العصفور"، ومن هذا الفيلم الأخير نرى تشابها بين سلوى وطفل "العصفور" الذى يقفز فوق الشاحنات لأنه يحلم بأن يذهب إلى القاهرة (كأنه يكرر حلم "ابن النيل"!)، لكن سلوى تترك قريتها لتذهب إلى مزرعة نموذجية، حيث توجد بقرة أعطتها الطفلة نفس الاسم، وأصبحت صديقة لها وتتبادل معها الحوار فى حنان، ومن هنا يأتى العنوان الفرعى للفيلم: "الطفلة التى تتحدث إلى الأبقار". عشرات اللقطات التسجيلية تم تصويرها بكاميرا خفية للقاهرة وزحام البشر، الحشود فى لقطات عامة، والوجوه فى لقطات مقربة، (كان هذا الزحام منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاما، فكيف الحال بما صارت إليه القاهرة اليوم؟!)، وعلى هذه الخلفية التسجيلية تبدو حياة الطفلة فى المزرعة النموذجية التى تهرب إليها كأنها حلم روائى جميل، يتحدث عن ضرورة زيادة الرقعة الزراعية بدلا من الشريط الضيق للوادى الذى يمنح وحده الطعام لعشرات الملايين، فإنه سوف يتحقق من خلال صنع فنان سينمائي لفيلمه فى فيلم "القاهرة منورة بأهلها" (1991)، الذى يحمل أيضا العنوان الأكثر دلالة "القاهرة كما يروى عنها – أو كما يراها – يوسف شاهين"، إنه يصارحك منذ اللحظة الأولى: لا تنتظر منى فيلما تسجيليا بالمعنى التقليدى عن القاهرة، وفى الحقيقة أنه ليس هناك معنى واحد للفيلم التسجيلى، فالحدث الواقعى يتم تسجيليه بعشرات الأساليب والقرارات التقنية والجمالية، التى يعطيك كل منها "حقيقة" مختلفة لهذا الحدث، لكن الفرق فى "القاهرة منورة بأهلها" هو أن يوسف شاهين لا يتركك تستنتج ذلك من ثقافتك السينمائية، بل إنه يعلن مع أول لقطة أن ماسوف تراه ليس "الحقيقة" بمعناها المطلق، وإنما هى الحقيقة كما يراها. كان فيلم "القاهرة منورة بأهلها" هو أكثر أفلام يوسف شاهين إثارة لردود أفعال عنيفة، لأن البعض رأى فيه تصويرا "مشوها" لمصر، ومرة أخرى فمن حق المتفرج والناقد أن يختلف مع الفنان فى رؤيته، لكن هل يؤدى ذلك إلى حرمان الفنان من التعبير عن هذه الرؤية؟

إن يوسف شاهين فى "لعبته" الفنية معك يعرض عليك منذ البداية أوراق اللعبة: لقد تلقى عرضا من التليفزيون الفرنسى بصنع فيلم عن القاهرة، ويسأل تلاميذه ماالذى يمكن أن يراه ويصوره فى القاهرة، فيجيبه كل منهم إجابة مختلفة، تتجسد أمامنا على الشاشة، هل القاهرة راقصة "هز بطن" فى ملهى ليلى أم أنها سكان منطقة المقابر؟ إن يوسف شاهين بجيب على اقتراح تلاميذه بأن مايعشقه حقا فى القاهرة هو "ناسها" (ومن هنا يأتى عنوان الفيلم بالعربية): "طيبة قلبهم وخفة ظلهم وتسامحهم". ومن خلال هذه "العين" سوف ترى لقطات تسجيلية عديدة، تم تصويرها من خلال كاميرا خفية لهؤلاء "الناس"، أكثرهم فقراء لكنهم يمارسون حياتهم اليومية فى صلابة يحسدها عليهم أسعد شعوب الأرض، إن هذه اللقطات لا تجعلك "تشمئز" مما يطلقون عليه "تشويه سمعة مصر"، وإنما تجعلك تتساءل بمرارة عميقة: ترى ماالذى يمكن أن يكون عليه حال هؤلاء الناس، وهم على هذا القدر من الصلابة، إذا أتيحت لهم ظروف أفضل؟! تأتيك الإجابة فى لقطات تسجيلية أخرى لمظاهرات حاشدة للجماهير ضد عدوان "عاصفة الصحراء" على العراق، والتصدى العنيف لقوات الأمن المركزى لهذه المظاهرات. وسط هذا الحس التسجيلى اللاذع سوف تجد خطوطا روائية عديدة، ويضم يوسف شاهين ذلك المزيج بين الروائى والتسجييلى فى قوسى البداية والنهاية: شاب يسأل المخرج شاهين فى لقطات البداية عن عمل له معه كممثل، وظهور نفس الشاب فى النهاية مشتركا مع بقية الممثلين فى تصوير المشهد الأخير، وينهى شاهين الفيلم بتعبيره الأثير: "فِِرْكِش"، وكأنه يقول لك: "لقد كان لعبة لعبناها سويا، أن أريك القاهرة من خلال عينى، وأتركك بعدها لتراها من خلال عينيك، لعلك تراها كما لم ترها من قبل": "سوق الرجالة" الذى يقف فيه العمال فى الشارع انتظارا لفرصة عمل يدوى قد لا تأتى (قام الفنان التسجيلى الراحل حسام على بصنع فيلم تسجيلى مهم عن الموضوع ذاته آنذاك)، وتزايد التطرف الذى بلغ ذروته بالفعل خلال التسعينات، وتزايد الهوة بين الأغنياء والفقراء، والبطالة، وتجريف الأرض الزراعية، وتجاور دور عرض أفلام التسلية الهروبية مع زوايا المصلين فى الشارع، وتحديق أبناء الطبقة الوسطى فى واجهات عرض المحلات دون أن يملكوا القدرة على الشراء، والبيوت الضيقة المزدحمة على أهلها حتى لا تجد اللحظات الحميمة فرصة إلا باختلاسها، ومع ذلك فإن يوسف شاهين يؤكد: "أحب هؤلاء الناس"، لأنهم يستحقون حياة أكثر جمالا وعدلا. يبقى من بين أفلام يوسف شاهين القصيرة فيلمان: "كلها خطوة" (1997) وفيلمه الأخير "بعد 47 سنة" (2007)، وكلاهما من أبسط أفلامه فى شكلها ومضمونها، يحكى الأول فى قالب روائى خالص عن أخطار الألغام التى ماتزال تحتشد بها الصحراء المصرية منذ الحرب العالمية الثانية. أما الفيلم الثانى "بعد 47 سنة" فهو لحظة قصيرة من النوستالجيا، تجمع بين لقطات تسجيلية لتكريم شاهين فى مهرجان كان عن مجمل أعماله الفنية، ولقطات روائية يتذكر فيها كيف كان هنا فى نفس المهرجان، منذ 47 عاما، شابا صغيرا جاء بفيلمه "ابن النيل ممثلا للقاهرة هولييود الشرق، وهو يحلم بمجد لن يستطيع الحصول عليه إلا بعد رحلة طويلة من معاناة الإبداع الفنى.

المراجع :

- (سينما يوسف شاهين .. تطور الرؤية والأسلوب) لـ(سعاد شوقي).

- (أضواء على سينما يوسف شاهين) .. لـ(سمير فريد).

- (أضواء على الماضي) .. لـ(د. رفيق الصبان) .

- «صانع المرايا» تأليف عصام زكريا .

-«الطفل المتمرد» ل إبراهيم العريس.

_________________


---------------الدكتور بيومي الشيمي---------------
avatar
الدكتور بيومي الشيمي

الجنس : ذكر
عدد الرسائل : 1356
العمر : 66
العمل : الشعر الفصيح - النقد الأدبي
الأوسمة الأوسمة : 4
نقاط : 7355
تاريخ التسجيل : 09/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى